هل سقط المشروع العربي

“هل سقط المشروع العربي”
نشرت مجلة “الوطن” الصادرة عن جريدة “الوطن” في عددها الصادر بتاريخ 22/يناير/93.. تحقيقا يسأل بعض المفكرين المصريين عن رأيهم في مشروع السلام الذي سار فيه الرئيس المصري أنور السادات منذ ما يزيد عن 13 عاماً. وعما إذا كان السادات في حينها قد أصاب وأخطأ العرب عندما زار القدس عام 77.. ووقع اتفاقية “كامب ديفيد” في العام 79. خاصة وأن العرب الذين قاطعوه في ذلك الوقت.. هم ذاتهم الذين يلهثون وراء خطواته بعد 13 عاماً. قد اختلفت آراء المفكرين المصريين.. فمنهم من يرى أن السادات لم يحقق انتصاراً باتفاقيتيْ كامب ديفيد.. وإنما حصل على أقل مما كان ينبغي الحصول عليه في ذلك الوقت لو أنه استفاد من الظروف المؤاتية حينها. ومنهم من يرى أن “السادات” لم يكن معبراً عن إرادة الشعب المصري.. أما آخرون منهم فرأوا أن الذي لا يمكن أن يغفله التاريخ العربي.. والمنطق القومي العربي هو تحركه المفرد في وجه قوى أخرى.
ومهما اختلفت الآراء في أسلوب السادات آنذاك في التعامل مع قضية عربية رئيسية.. فإن الظروف التي أعقبت اتفاقية “كامب ديفيد”.. أدت إلى خروج مصر من دائرة الصراع العسكري في وجه إسرائيل.. ومن ثم عزلها عن باقي الدول العربية.. ومقاطعتها سياسياً. ومثلما عملت اتفاقية “كامب ديفيد” على خروج مصر من زعامة الأمة العربية.. فقد عملت أحداث الخليج الثانية على عودة الزعامة إلى مصر. فلا أحد ينكر الدور المصري البارز في إدارة أزمة الخليج الثانية. بل إن المتتبع للأحداث السياسية الهامة في المنطقة ومنذ توقيع اتفاقية “كامب ديفيد” لن يستطيع أن يغفل أثر الحياد المصري من بعد اتفاقية السلام في أكثر الأمور مصيرية بالنسبة للمنطقة العربية بأسرها.. بدءاً باستضافة شاه إيران المخلوع.. وانتهاء بأحداث الخليج الثانية ومؤتمر السلام في مدريد.
فبعد توقيع اتفاقية “كامب ديفيد” فتحت الأسواق المصرية في وجه الاقتصاد الإسرائيلي.. بعد إلغاء المقاطعة لإسرائيل في مصر.. وخف العبء العسكري الإسرائيلي الذي كان في مواجهة الجبهة المصرية.. ليصب جهده في عملية اجتياح واسع للبنان في عام 82. ولا نعني هنا بالطبع أن اتفاقية سلام “السادات” كانت سبباً في الاجتياح الإسرائيلي للبنان.. إلا أن تحييد الجبهة المصرية قد ساهم إلى حد بعيد في ذلك الاجتياح.. تماماً مثلما ساهم في تحويل حقيقة الصراع العربي – الإسرائيلي في تلك الرحلة.. إلى صراع سوري – لبناني.
ليس الهدف من تلك المقدمة البحث في أغوار المشاكل والصراعات العربية – العربية، وإنما هي محاولة لفهم ما يدور من أحداث خاصة في منطقة الخليج.. وتأكيداً على أن قضايا الأمة العربية لا يمكن أن تأتي منفصلة.. وأن ما نواجهه اليوم ليس وليد أحداث الساعة فقط.. وإنما هو حصيلة لمجموعة من العوامل والقوى والأخطاء التي تراكمت.. وحتى يتعين علينا الفهم.. لا بد من تحليل لكل ما سبق أحداث الخليج من أمور ساعدت.. ولا نقول سببت في الوصول إلى الحالة الراهنة.
إن الكثير من وقائع وتفاصيل أحداث الخليج كانت ستتخذ مجرى آخر.. لو أن حياد جمهورية مصر العربية لم يكن أمراً مضموناً ونافذاً بهذه الصورة.. ونعني بالحياد هنا.. حياداً تجاه القضايا العربية التي لعبت فيها مصر دوراً ريادياً.. فتحييد مصر بهذه الصورة كان أمراً أساسياً سواء في أحداث الحرب العراقية الإيرانية.. أو في أحداث الغزو وما لحقها من حرب حررت الوطن.. وعبثت إلى حد كبير باستقرار المنطقة بصورة عامة. فمن خلال قناة السويس عبرت ناقلات الطائرات والبوارج.. إلى جانب أن الموقف المصري الداعم للموقف العسكري والسياسي الأمريكي.. ساهم في تخفيف حدة التراجع في الموقف العربي العام تجاه الأسلوب الذي تم فيه حسم المشكلة.. وهو موقف ساهم في تخفيف حدة التدخل الغربي – الأمريكي في شؤون المنطقة العربية الداخلية.
لقد كان الغرب.. وعلى رأسه الولايات المتحدة أكثر صراحة في الإفصاح عن مصالحهم في المنطقة.. وعن مدى الجهود التي بالإمكان بذلها في سبيل الحفاظ على تلك المصالح. وبحيث جاء التعامل الغربي مع معضلة الخليج كتعامل أمة واحدة تربطها مصالح مشتركة.. وبحيث انصهرت كل الخلافات في سبيل الخروج بموقف موحد تجاه الوضع في الخليج. وهو ما عجزت عنه الأمة العربية.. والتي يفترض فيها أن تكون أمة واحدة بالفعل.. وذلك لتوافر كل الشروط الداعية إلى الأمة الواحدة.. من لغة.. وتاريخ.. وثقافة.. ومصير.. وغيرها من روابط. فقد أدت كارثة الغزو إلى فشل أو تأجيل المشروع العربي.. حيث تفكك الموقف العربي إلى ثلاثة آراء.. رأي مؤيد للغزو العراقي ومساند له.. ورأي آخر معارض.. أما الرأي الثالث فقد اتخذ موقفاً حيادياً تجاه الأزمة، وقد زاد من تفكك الموقف العربي.. حدوث مواجهة فعلية بين جيوش عربية إبان حرب تحرير الوطن.. هذا التفكك الذي سيعكس واقعه على كافة القضايا العربية الأخرى.. ومن ضمنها قضية الصراع العربي – الإسرائيلي.. خاصة في ظل التصنيف الأمريكي القائم الآن.. بتقسيم الدول العربية إلى دول معتدلة يمكنها الحصول على أسلحة ومعدات غربية.. وأخرى متطرفة تعد عاملاً من عوامل زعزعة الاستقرار في المنطقة.
لقد أثبتت أزمة الخليج الثانية.. وبشكل لا يقبل النقاش أن فقدان الأمن في أي جزء من منطقة الشرق الأوسط.. يعني تهديداً لأمن المنطقة كلها.. وقد كان هذا التصور قائماً أثناء أزمة الخليج الأولى.. وإن كان أخف وطأة.. وخير دليل على ذلك تدمير المفاعل النووي العراقي يومها.
ولعلّ هذا الاستنتاج هو من أهم نتائج حرب الخليج الثانية.. وما تبعها من ترتيبات.. حيث تقلصت قدرات الدول العسكرية.. مقابل ازدياد تسلح إسرائيل كضمان لأمنها.. خاصة بعد أن بات واضحاً أن الصراع العربي – الإسرائيلي ليس وحده المهدد لأمن المنطقة.. وإنما هنالك الصراعات العربية – العربية. وهو للأسف الشديد واقع استطاع الغرب أن يستثمره لصالح مشاريعه في المنطقة.. ولضمان أمن إسرائيل الحليف المضمون للغرب. وهو أيضاً الواقع الذي فشل العرب فشلاً ذريعاً في القضاء عليه.. أو حتى الحد منه والتخفيف من وطأته.. وذلك بتزايد المشاكل والصراعات العربية – العربية وتفاقمها بصورة أصبح علينا جميعاً كأمة عربية أن نتقاسم الهزيمة.. من الخليج إلى المحيط. وبدون استثناء.
