هل تسقط الحدود بين الشمال والجنوب؟

هل تسقط الحدود بين الشمال والجنوب؟
يؤكد البرنامج السياسي الذي وضعه الرئيس الأمريكي الجديد “بيل كلينتون” ونائبه “آل غور” على أن دور الولايات المتحدة في إدارة العالم سيكون الأكبر.. والأكثر قدرة من أي نظام آخر على تمرير الكثير من أفكاره وبنوده. فالرئيس الأمريكي يرى أن بلاده هي المؤهلة لقيادة العالم.. وكما جاء في برنامجه السياسي.. وبالتالي لا بد من وضع خطة لتلك القيادة.. وبينما يؤكد الرئيس الأمريكي على دور بلاده المهم في كل القضايا المطروحة في العالم. فإنه يركز على أهمية الجانب الاقتصادي فيقول “علينا إعادة بناء القوة الاقتصادية لأمريكا.. إذ أننا لا نستطيع أن نتولى زمام القيادة في الخارج لو كنا ضعفاء في الداخل”.
كما نوه أيضاً بأهمية استعادة أمريكا للقيادة الاقتصادية بقوله “إن خطتنا لإحياء النمو الاقتصادي لأمريكا ستضع أمريكا مرة أخرى على الطريق الصحيح.. وستعيد القيادة الاقتصادية لأمريكا في الخارج”.
لعلَّ أبرز ملامح النظام العالمي الجديد بقيادة الولايات المتحدة هو زيادة التأكيد على أنه لا يمكن الفصل بين السياسة والاقتصاد، وذلك لارتباطهما الشديد.. وكما أكد الرئيس الأمريكي في برنامجه السياسي على أن القيادة السياسية للعالم تعني قيادة اقتصادية أيضاً. والقيادة الاقتصادية الجديدة لأمريكا والتي تحدث عنها الرئيس الجديد.. تعني اضمحلال السيادة المجردة في مقابل ازدياد التبعية لدول العالم حتى يتعين تطبيق مفهوم القيادة الأمريكية للعالم اقتصادياً بالدرجة الأولى، وما تعنيه التبعية بالطبع من أن اقتصاديات الدول الأخرى ستكون مشروطة بنمو واتساع الاقتصاد الأمريكي.. والذي سيشمل تأثيره النواحي السياسية والاجتماعية لتلك الدول.. وليس الاقتصادية فقط.
إن القيادة الاقتصادية التي تحدث عنها الرئيس الأمريكي لا تعني قيادة بهدف خلق تكامل اقتصادي عالمي بين المنتج والمستهلك.. وكما هو الحال في التجربة الأوروبية الموحدة.. وحيث يتم في هذه الحالة موافقة على التنازل من قبل جميع الأطراف لصالح المنفعة العامة.. وفي سبيل المزايا التي تنشأ من ذلك التكامل.. والمردود الاقتصادي الذي يشمل الجميع. وإنما هي سيادة القطب الأوحد في مقابل التابع.. أو السيد والتابع.. وهو واقع لا تختلقه.. ولا تتنبأ به.. وإنما يفرض صورته الحقيقية من خلال نماذج السيادة الاقتصادية لأمريكا من دول أمريكا اللاتينية.. والشرق الأقصى.. وهي سيادة تنطلق من رؤية ومفهوم رأسمالي يعمل دوماً على الاستفادة من قدرات وجهود المجتمعات الأخرى.. تاركاً لها القلة القليلة من العائد.. والتي تقتصر بدورها على أفراد محدودين في تلك الدول بناء على ظروف تعاملهم مع الشركات الأمريكية، ولعلَّ واقع الشركات متعددة الجنسيات يعتبر مثالاً شاهداً على الأسلوب الرأسمالي في القيادة الاقتصادية.
نظراً لأننا في هذا الوطن نعتبر أول تطبيقات النظام العالمي الجديد لمرحلة ما بعد الحرب الباردة.. فقد شكلنا المدخل الأول في مفهوم حماية المصالح الحيوية الاقتصادية الأمريكية.. وبدا ذلك واضحاً جلياً من خلال السعي الأمريكي الحثيث نحو إدخال الشركات الأمريكية ضمن نسيج الحياة الاقتصادية اليومية لهذا الوطن.. والذي شمل مردوده فئة قليلة من الأفراد استفادت من العقود التي وقعتها مع تلك الشركات.. ومن المبالغ الخرافية، والمبالغ فيها في أحيان كثيرة التي تمت بها مناقصات الإعمار والإطفاء.
إن الولايات المتحدة هي الآن وبلا منازع القطب الأوحد والأكبر من حيث القوة النووية والعسكرية خاصة بعد تفكك الاتحاد السوفيتي وهي بذلك تمتلك القدرة الفعلية على قيادة العالم.. لكن القدرة العسكرية تبقى دوماً خاضعة ومرهونة بالقدرة الاقتصادية.. وهو العامل الذي كان يهدد فاعلية الزعامة الأمريكية للعالم.. خاصة مع تنامي القدرة الاقتصادية الأوروبية بعد توحيد ألمانيا.. والقدرة اليابانية والتي استطاعت أن تنمي قدراتها الاقتصادية وذلك باستغلالها فترة التحجيم العسكري الذي فرض على اليابان في أعقاب الحرب الثانية. ولعلَّ الولايات المتحدة قد أدركت أن زعامتها الاقتصادية للعالم ليست بحجم زعامتها السياسية.. بدليل استعانتها بالقدرة الاقتصادية اليابانية لمواجهة متطلبات الحشد العسكري إبان فترة احتلال الوطن. ولقد استطاعت الولايات المتحدة أن تتلافى ذلك العجز.. وأن تستثمر أحداث الخليج بما يعزز قدراتها الاقتصادية في مواجهة التهديدات الأوروبية واليابانية.. وذلك بفرض سيطرتها على مصادر الطاقة في الخليج.. والتي تعتمد عليها كل من أوروبا واليابان اعتماداً كبيراً.. فاليابان تستورد كل حاجتها من البترول من الخارج.. بينما تستورد أوروبا الجزء الأعظم من البترول من الخارج أيضاً.
وبقدر ما تعني الزعامة للولايات المتحدة من تصدر وقيادة للعالم.. فإنها تعني بالمقابل تبعية الأطراف أو الدول الأخرى لتلك الزعامة. تلك الدول التي ستجد أنها ملزمة بالتحرك في فلك الولايات المتحدة. متأثرة بكل صغيرة وكبيرة في محيط السياسة الأمريكية، محكومة بحركتها.. ومتأثرة بكل مشاكلها.. اقتصادية كانت أم سياسية. وهو واقع وإن لم تتجل حقيقة مخاطره الآن.. إلا أنها تثير الشكوك حول حقيقة قدرة الولايات المتحدة على تأمين وحماية النظام العالمي الجديد.. خاصة في ظل التدهور الاقتصادي المستمر لأمريكا في السنوات الأخيرة، وإمكانية انشغالها بالأوضاع الاقتصادية الداخلية المتردية.. والتي زادت تذمر الشارع الأمريكي من إهمال الحزب الجمهوري برئاسة الرئيس “بوش” لها أي للأوضاع الداخلية.. وانشغاله بالسياسة الخارجية.. بحيث جاءت وعود إصلاح البيت الأمريكي من الداخل كورقة انتخابية ناجحة في يد الرئيس الجديد كلينتون.
وعما إذا كان بالامكان أن يقود ذلك الولايات المتحدة إلى اتباع سياسة العزلة.. والتي انتهجتها أمريكا في أعقاب الانهيار الاقتصادي العظيم في عام 1929.. تلك العزلة التي يفسرها المؤرخون على كونها سبباً مباشراً في نمو ألمانيا الهتلرية.. وما تبعها من مشاكل وقلاقل هددت يومها النظام العالمي بأكمله.
قد لا تتطور الأمور.. وقد لا يعود التاريخ ليصيغ الأحداث ثانية.. لكن التاريخ نفسه قد أثبت لنا تعذر بل واستحالة أن يسيطر على العالم قطب واحد وقوة واحدة وهو ما عبر عنه الرومان واليونانيون من قبل من خلال مبدأ تعدد الآلهة. هذا إلى جانب أن الظروف التي يعيشها العالم الآن ليست كالظروف التي حددت ورسمت ملامح العالم ما بين الحربين العالميتين. فتكنولوجيا الاتصالات قلصت مساحة العالم وقربت بين شعوبه. وأصبح الإنسان فيه أكثر إصراراً وتصميماً على تحقيق إنسانيته وطموحاته.. ليسعى إلى عالم يساهم فيه فعلياً.. عالم تسعى فيه البشرية إلى إلغاء الصورة القائمة لشمال يملك ويسيطر على كل شيء.. وجنوب يئن ويتضور جوعاً.. ويخضع لأي شيء.


