شئون عربية

هل انتهى عصر الجماهير؟

هل انتهى عصر الجماهير؟

لم يكن السؤال الذي تبادر إلى الأذهان وأصبح حديث الكثير من أبناء الوطن العربي.. سؤالاً يحوي في إطاره علامة تعجب ودهشة من موقف الحكومات العربية تجاه أكذوبة المفاوضات العربية – الإسرائيلية. فهي – أي الشعوب العربية – قد اعتادت ردود فعل مماثلة لقضايا مصيرية.. قد يكون الخطأ الأكبر الذي نقترفه بشأنها هو في اعتقادنا بأنها تخص شعباً عربياً دون الآخر.. فمسار مفاوضات السلام منذ بدئها.. وإلى أن تمخضت عن خيار “غزة أريحا أولاً”.. هو المسار المألوف للحكومات العربية في تعاملها مع قضايا الشعوب المصيرية.. ولم يحو ذلك المسار في إطاره أي عنصر مفاجئ.. ولم يأت بأي مفاجأة لأي من المفاوضين. على الرغم من مسرحيات العتاب القائمة بين بعض حكومات الدول العربية التي يشملها “الغفران الإسرائيلي” مباشرة.
فقد كانت للحكومات العربية مواقف كثيرة مشابهة، قد يكون أوقعها ذلك التضليل الرسمي الذي عاشته الشعوب العربية منذ حرب 1948.. ممثلاً في نسجها لأسطورة إسرائيل وجيشها الذي لا يقهر.. تلك المقولة التي استطاع كل حاكم عربي أن يستثمرها في تعليله لكل التنازلات السابقة أمام الجيش والدولة اليهودية.
السؤال الذي أصبح ملحاً الآن وسط حالة الهذيان العربية هذه.. هو أين موقف الجماهير العربية أمام هذه المواقف الرسمية الطاغية!! وهل يمكن أن يعني هذا الصمت المميت من قبل الجماهير العربية أننا مقبلون على نهاية حقبة الجماهير ونحن الذين اعتدنا دوماً على مواقف للجماهير العربية استطاعت في أحيان كثيرة أن تهذب من حالة النشاز في أسلوب العزف الرسمي!
فخلاف التظاهرات التي خرجت من قبل بعض العناصر الفلسطينية المعارضة لمفاوضات الاستسلام.. فإن الجماهير العربية الأخرى تعيش صمتاً مطبقاً لم نعهده فيها من قبل في تفاعلها تجاه قضاياها المصيرية!! وهي التي أثرت ساحة السياسة العربية بأصواتها العالية تدين سلبية حكوماتها.. ويطال مدها كل التضاريس العربية تفرض مبادرات هي جماهيرية المنبع والأصل..
قد يرى البعض في أن زمن الجماهير هو إرث النظام العالمي القديم.. وأن المد الجماهيري هو تعبير عن الفوضى التي اجتاحت الساحات السياسية في مرحلة ما بين الحربين الأولى والثانية.. وأن العالم الآن يخطو نحو نظام عالمي جديد.. يخط نهجاً جديداً في التعامل والتفاعل مع الأحداث السياسية.. فعالم ما بعد الحروب.. وآخرها الحرب الباردة.. هو عالم يدين بالديمقراطية نهجاً لتحقيق مطالب الجماهير.. من خلال الديمقراطية تتحقق مطالب الأغلبية الجماهيرية.. فلا يعود هناك داع لنهوضها.. وتمردها..
لكن ذلك هو واقع الدول التي آمنت بالديمقراطية نهجاً لتحقيق مطالب الجماهير.. أما في مجتمعاتنا.. وحيث ما زالت الأغلبية هي النخبة الحاكمة.. والمسيطرة.. فما زال للجماهير حقها في أن يمتد موقفها الآن بشأن مفاوضات السلام على طول امتداد خارطة العرب.
لقد أسقطت أصوات الجماهير الهادرة.. وقدراتها الهائلة مزاعم طالما تشبثت بها الأنظمة العربية طوال امتدادها.. بدءاً بالاختراق الجماهيري (للحصن اليهودي) في حرب بيروت مع مطلع الثمانينيات.. وانتهاء بانتفاضة أهل الأرض.. فحققت الجماهير بذلك ما عجزت أو تخاذلت عنه جيوش العرب النظامية في حروبها ضد الدولة اليهودية..
لذلك فمن الطبيعي جداً أن يثير صمت الجماهير تساؤلات كثيرة.. هي أكثر خطورة من التساؤلات التي تثيرها المواقف العربية الرسمية.. خاصة وأن “الإرهاب” الذي يصر الرئيس الفلسطيني على نبذه في محضر اعترافه بالوجود الإسرائيلي.. هو الكلمة المرادفة للنضال الفلسطيني في القواميس الإسرائيلية.
قد تكون القضية الآن شبه منتهية بالنسبة لسماسرة المفاوضات.. وقد تستطيع الآن.. الأموال والتبرعات التي ستجنيها المنظمة أن تعمر “غزة وأريحا”، ففي ظل الهبات والقروض.. لن تكون الحاجة ملحة لدى القيادات الفلسطينية للجماهير.. ولا لتأييدها.. بل سيتم التصدي لهذه الجماهير بحسب ما نصت عليه وثيقة الاعتراف بأن “المنظمة تدين الإرهاب وأعمال العنف وستعاقب الذين ينتهكون هذا الالتزام”!!
لكن المنظمة، وغيرها، تعلم جيداً.. أنها في ظل ظروف كهذه.. عليها أن تنام بعين واحدة.. وتطل بالأخرى على الجماهير التي تدرك بالرغم من صمتها.. فداحة الثمن الذي عليها أن تدفعه.. في سبيل تدشين القصر الرئاسي في “أريحا”.. وولادة الدولة الفلسطينية.. التي ستظل فزعى من يقظة الجماهير يوماً ما.. كحال قريناتها التي طالما حذرت جماهيرها.. ربما أكثر من حذرها لإسرائيل.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى