
كلمة ألقتها الدكتورة أنوار عادل الإبراهيم في حفل تخرج إحدى المدارس الثانوية في الكويت، لخّصت فيها واستعرضت المزاج الكويتي بشكل عام، ومدى انعكاسه على القضايا التي يعاني منها المجتمع، سياسية كانت أم اجتماعية.
بدأت حديثها بالإشارة إلى تعليقات لبعض الإخوة الخليجيين، الذين عبّروا عن استغرابهم لحالة التذمّر التي يعبّر عنها الكويتيون عادة تجاه بعض الخدمات، وبشكل رأت فيه تعسّفاً بعض الشيء، حيث إن الأخطاء دائماً واردة في كل الخدمات، لكنها لا تنفي جودة الخدمة بالمطلق.
وتتابع الدكتورة أنوار الإبراهيم حديثها مشيرة إلى تعليق استوقفها لأحد الإخوة الخليجيين قال فيه: “في الكويت أعتقد أن المنحنى في التعبير عن السلبية تجاه الخدمات المقدّمة للمواطنين ليس بسبب أن الأوضاع في الخدمات سيئة أو أن التركيبة النفسية للمواطنين في الكويت تشاؤمية، بل هو أمر يعود إلى ارتفاع منسوب الحرية في الكويت عن نظيراتها في الوطن العربي” انتهى.
وتتابع الدكتورة أنوار الإبراهيم تعليقها على ما ورد على لسان إخوة خليجيين بقولها: “للأسف أن الصورة التي نعكسها ككويتيين للخارج بأننا شعب سلبي ومتذمّر، خصوصاً أن الأخ الخليجي قد أشار إلى أن الكويت تعيش في نِعَم لا نقدّر وجودها، وأن الوضع الخدماتي ليس سيئاً على الإطلاق، وكما يصوّره البعض. أما أجمل ما ورد في تعليق الأخ الخليجي، فهو في تصويره للكويتيين بأنهم شعب إيجابي، وذلك عند قوله إن التركيبة النفسية للمواطنين ليست تشاؤمية”.
ثم تستطرد الدكتورة أنوار الإبراهيم في التعليق على الرؤية التي عبّر عنها بعض الإخوة في الخليج، مؤكدة أن الخلل ليس في تكويننا ولا في نقص خدماتنا، بل في النظرة التي أصبحنا نرى من خلالها الأوضاع المحيطة بنا، مشيرة إلى أن التذمّر مرتبط بتدني الإنتاج، وأن البعض حين لا يكون لديه هدف أو عمل يتوق لإنجازه، يصبح عنده وقت فراغ، وبما أن الإنسان بطبيعته يصبو إلى العمل والإنتاج، فإن نتيجة غياب ذلك تجعله يتجه إلى التذمّر والاستياء أو إلى انتقاد من يعمل، داعية في ختام كلمتها الحضور إلى مراقبة دائرة مسئولياتهم، أسرية كانت أم مجتمعية أم وظيفية، قبل أي محاولة للتذمّر أو الاستياء.
كلمة الدكتورة أنوار الإبراهيم جميلة ومحفّزة وحافلة بالروح الوطنية الصادقة والمخلصة، وعلى الرغم من اختلاف ردود الفعل تجاه ما جاء في كلمتها، فإنها دفعت الكثير إلى تأمل مسألة التذمّر لدى الكويتيين، وعما إذا كانوا فعلاً متذمرين لأجل التذمّر فقط، أم أن هنالك ما يستدعي حقاً حالة الاستياء هذه.
بداية، يجب التوقف عند مسألة منحنى الحرية وسقفها العالي نسبياً في الكويت، التي أشار إليها بعض الإخوة الخليجيين وصدقوا فيها، ففي الكويت لا فرد ولا مؤسسة بمعزل عن النقد، نلمس ذلك في مجلس الأمة وفي أدوات التواصل وفي الصحافة وفي الشارع، بل وحتى في التجمعات الأسرية، ولا تحكم مثل هذه الحرية في الرأي إلا شروط عدم الإساءة الشخصية أو الإدلاء بمعلومات غير صحيحة، وهنا تكون ساحة القضاء هي الفيصل بين المختلفين، ومن الطبيعي هنا، خصوصاً في ظل الانفتاح الإلكتروني، أن يخرج البعض عن النص، وبشكل يستدعي التدخل القانوني.
ممارسة حرية الرأي كمكتسب ضمنه الدستور وصانه، أصبحت اليوم في مرمى مثل هذا الانفتاح الإلكتروني، حيث أصبحت لكل فرد منصة إعلامية خاصة يبث عبرها كل ما يراه خطأ أو ما يعتبره صواباً. وتلك مسألة تواجهها كل شعوب العالم التي تتمتع بحرية الكلمة.
المشكلة التي استعرضتها الدكتورة أنوار الإبراهيم تكمن في تحوّل النقد إلى تذمّر، وشتان بين الاثنين، فالنقد قائم على حجج وشواهد وبلاغة كلامية ولفظية، يستعرض عادة الخلل ويقترح الحلول، هو فعل غير منحاز بين السلبيات والإيجابيات ولا يتعرّض لأشخاص لفظياً ولا معنوياً، بينما في المقابل يأتي التذمّر على هيئة محاولة لإخراج كل السلبيات تجاه شخص أو قضية ومن دون أدنى إشارة إلى إيجابيات أو محطات مضيئة أو طرح مخارج.
قطعاً لا مجتمع خالياً من العيوب والثغرات، سواء في الكويت أو في أي بقعة أخرى من العالم، لكن في المقابل هنالك مساحات ضوء إذا ما تم تجاهلها تصبح الصورة قاتمة ومحبطة.
مشكلة التذمّر حين يكون منهجاً وسلوكاً في النقد أنه يخلق أفراداً مدافعين دائماً، وليسوا مبادرين، وغالباً ما يكون سلوك المدافع عدوانياً بطبعه، فيتحول معه النقد بهدف الإصلاح إلى سجالات يتداولها الناس ويضيفون عليها ما يضيفون.
كفانا تذمراً، ولنبدأ بطرح المخارج بدلاً من ذلك، وهو ما أصبح الكثير من شبابنا مثل الدكتورة أنوار الإبراهيم وغيرها يسعون إلى التذكير به وبثه في وعي المواطن. لكن المشكلة التي تبرز دائماً هنا أن اقتراح الحلول والمخارج يتطلب جهداً ومبادرة أكبر من مجرد نقرة على جهاز الآيفون تبث استياء أو تذمّراً.
