
من الولايات المتحدة صاحبة تمثال الحرية.. التي وطأها رجل الأمن حين كَتَمَ أنفاس “جورج فلويد” تحت قدميه.. وإلى فرنسا صانعة تمثال الحرية، التي تَنشَط فيها أجهزة الأمن في قمع المتظاهرين المطالبين بالعدالة.. وإلى عالمنا العربي المنكوب معظمه بكل أشكال وأجهزة القمع.. والعنف.. ومصادرة الكلمة.. ووأد الحريات.. من كل هذه العوالم.. ومن جميع تلك الممارسات.. يبقى السؤال العالق والحائر دوماً حول حقيقة الحرية، خصوصاً الحرية السياسية وحرية التعبير والكلمة، وعما إذا كانت مجرد مفهوم ميتافيزيقي لا يمكن أن يتحقّق على أرض الواقع.. وإنما كان وسيبقى مادة مغرية يتداولها الفلاسفة والمُنظّرون في الشأنين السياسي والاجتماعي.. أم أنها كفكرة وكغاية.. تُعتَبَر حاجة فطرية لدى الإنسان.. وضرورة لقيام المجتمعات البشرية السليمة والصحيحة، وبالتالي بالإمكان تطبيقها في إطار المجتمع البشري الحقيقي وليس الأفلاطوني اليوتوبي.
العالم اليوم.. غربياً كان أم شرقياً يعيش حقبة تراجع الحريات السياسية بالتحديد وبشكل غير مسبوق.. فالدولة أصبحت هي الكيان الوحيد والمباشر الذي يَستَمد منه المواطن حريته وحقوقه، وتأتي هذه الصورة مجهرية ومركّبة في الحالة العربية التي تملك الدولة فيها كل أدوات التعبير.. فالإعلام مَملوك للدولة.. وكل منافذ التعبير مُراقَبة من قِبَل الدولة. بل وحتى المنظّرون والوعّاظ وأصحاب منابر الكلمة والرأي مأمورون من قِبَل الدولة. وفي ظل أجواء كهذه تصبح الآراء متشابهة إلى حد التطابق.. ويرتفع معها سقف المحظور.. وهو قطعاً أمر يَصب مباشرة في مؤشر انخفاض معدّل الحريات.. إما خوفاً من بطش.. وإما طمعاً في ثواب.
من الواضح أن الحرية السياسية كقيمة صعبة التحقّق.. بدليل أننا لا نزال نتداول ونتجادل حول تعريف أرسطو لها، والذي مضى عليه ما يقارب ألفين ونصف الألف من الأعوام.. وذلك حين قال: “إن الحرية هي قيمة إنسانية عالية يجد فيها الفرد نفسه متحرراً من الضغوط والمضايقات والأوامر والنواهي التي تُقيّد ما يريد الفرد القيام به من أفعال تتناسب مع تفكيره وفلسفته”.
لا حاجة للإبحار في تاريخ الحرية الفلسفي.. ولا للابتعاد عن حدود الكويت.. لكي نتمَكّن من تداول وبحث مسألة الحريات السياسية.. فالكويت التي جاء تصنيفها الأولى خليجياً.. والرابعة عربياً والـ 109 عالمياً في مؤشر الحريات بشكل عام.. اكتسبت كل ذلك من الديمقراطية الدستورية التي تَكفَل الحرية كحق من حقوق الإنسان.. وهو أمر أدى إلى سيادة وانتشار الحرية السياسية مع ما أفرزته من جهات معارِضَة.. استطاع بعضها أن يؤدي دوراً مميزاً وملموساً بالرغم من المعوّقات التي لا يزال المجتمع الكويتي يعاني منها.
تواجه مثل هذه الحرية السياسية وتحديداً منذ غزو النظام العراقي السابق تحديات شرسة.. خصوصاً في ظل الحروب والصراعات والنزاعات الإقليمية.. فغالباً ما تكون الحريات السياسية من أبرز ضحايا الحروب والنزاعات.. وهذا واقع قد لا يقتصر على المنطقة العربية وحسب، فلقد تمت مقايضة الأمن بالحرية في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر، وبشكل جعل الناس في أمريكا – معْقَل الحريات – تصل إلى قناعة بأنه فى حال تعارَضَ الحفاظ على الأمن مع الحرية باسم الدفاع عن الحرية.. فإن الحرية تَفقد معناها، وقد كان ذلك هو الإطار الذي صاحَبَ الحملات الأمنية فى الولايات المتحدة قبل أن يمتد إلى أكثر من عاصمة أوروبية في ما بعد.
الحرية ليست وهماً.. ولا نظرية ميتافيزيقية، ولا هي بتجربة يوتوبية فارغة.. بل هي قيمة إنسانية جوهرية إن سَقَطَت تسقط معها أهم قاعدة لبناء مجتمع حديث فاعل وسليم. فمن دون حرية الفرد أولاً تكون حرية الجماعة أو المجتمع مجرّد صورة وهمية وقناعاً زائفاً للحرية الحقيقية.
