الأدب والثقافة والفنقضايا الوطن

هل أنت سعيد؟

هل أنت سعيد؟

منذ أن يولد الإنسان، وحتى لحظة وفاته وهو يلهث بحثاً عن السعادة، فكل ما نفعله في حياتنا يصبّ مباشرة في محاولات دؤوبة لتحقيق هذا الحلم الباهر! لكن مع ذلك تبقى السعادة مفهوماً يصعب تحديده أو تعريفه بدقة، وقد اجتهد الفلاسفة في محاولاتهم وضع تفاسير ثابتة وواضحة للسعادة، فكان لكل منهم رؤيته التي اختلفت بالطبع باختلاف تجاربه وتقديره الشخصي لمفهوم السعادة.
على سبيل المثال، يرى الفيلسوف الألماني نيتشه أن السعادة هي الشعور بأن القوة تزيد، وأنه تم التغلّب على المقاومة!
أما سقراط فيرى أن السعادة لا ترتبط بالفوائد المادية التي نحصل عليها نتيجة أفعالنا، بل تنبع من الداخل!
وبالنسبة إلى أفلاطون فإن مفهوم السعادة يرتبط بالنمو، فمثلاً قراءة كتب أكثر من العام الماضي أو الركض لمسافة أطول من الأمس، بمعنى أن نجعل كل ما نفعله يؤدي بنا إلى السعادة!
ونأتي إلى فيلسوف مثل بوذا، الذي طالما سمعنا مقولته الشهيرة التي تنص على أنه «ليس هناك طريق للسعادة، فالسعادة هي الطريق”.
أما كونفوشيوس وباتانجلي وغوراديف وغيرهم من المستنيرين في الشرق، فيمكن أن نختزل تعاليمهم ورؤيتهم للسعادة في أنها الانخراط المطلق في الواقع اليومي والعمل على ما هو متوافر في اللحظة الراهنة وعدم القلق حول ما سيأتي أو حول ما حصل في الماضي، فبالنسبة إلى هؤلاء تغيب السعادة ويخيّم التوتّر حين نعيش في الماضي أو المستقبل ونتجاهل اللحظة الآنية!
ومن فكر هؤلاء المستنيرين، خرجت رؤية إيكهارت تولي الذي صاغ مفهوم الاستنارة والتجلّي بشكل حديث يتلاءم مع روح العصر، فكان كتابه الأشهر “اللحظة الراهنة” الذي تناول فيه بالتفصيل خلاصة فكر فلاسفة الشرق، وتحدث بإسهاب عن مفهوم السعادة المرتبط بشكل مباشر في العيش في اللحظة الراهنة، أو الحاضر، فهي العامل الوحيد الثابت في حياتنا، والمؤكد بالنسبة إلى الزمن، وأن تقسيم الحياة إلى ماضٍ ومستقبل ما هو إلا وهم تختلقه عقولنا التي ترحل بنا إلى الماضي لتندم على قرارات أو أفعال أو أحداث أو تنقلنا إلى المستقبل، على أمل انفراج ما نعانيه من مشاكل وآلام!
وتبقى السعادة حلماً لم يدركه إلا القلة من البشر، فالسعادة كما وصفها العالم الفارابي لا ترتبط بالجسد وغير متوافرة في عالم الحس، وأننا لا نولد سعداء، وإنما هي في التفكير والفهم والوعي العميق للأشياء، مما يعني أن السعادة ممارسة للتفكير والتأمّل قبل أي شيء آخر.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى