
لا مجتمع متجانساً مئة في المئة، فالاختلاف داخل أي مكوّن بشري، سواء كان أمة أو شعبا أو عائلة أو شركة أو حتى مدرسة، هو أمر حتمي وليس مسألة شاذة ولا هو بتمرّد ولا فوضى، بقدر ما هو جزء من شخصية الإنسان وطبيعته، يفرضها التباين الفطري في طرق التفكير والرؤية، وترسّخها سلسلة من التجارب المختلفة.
سوء الفهم لمثل هذا الاختلاف هو السبب غالبًا وراء أغلب قضايا النزاع والفرقة. ولعل العلاقات المدروسة هي الفيصل هنا في التعامل مع الاختلافات بشتى أنواعها، سواء بالحوار أو بإدارة تلك الاختلافات النابعة من مثل هذا التنوع في الرؤى والآراء.
مع اقتراب الذكرى الرابعة لرحيله، نسترجع هنا الدكتور أحمد الخطيب بكونه قد شكّل علامة بارزة في إدارة فن المعارضة الناضجة. كان معارضًا شرسًا، لكنه كان كذلك ملتزمًا بأمانة الكلمة والمبدأ، ومصلحة الكويت العليا، كان صوتاً للديموقراطية يرى في البرلمان منصة مهمة لتمثيل الأمة، لكنه لم يستعرض يوماً ذلك الدور في استجوابات مُغرضة أو غير هادفة. كان ناقداً لسياسات الحكومة، لكن بالحجة والدليل وبالحوار المُتقَن، ولم يستخدم يوماً مفردة غير لائقة ولا نقدًا بلا حجة، بل كان يعارض سياسات الحكومة التي تمس حرية المواطن الكويتي وحقوقه.
كان الدكتور أحمد الخطيب رافضًا لأي اتفاقية تمس سيادة الكويت واستقلالها، او تشكك في عروبتها ودورها، لكنه لم يتعرّض يوما لدولة شقيقة أو صديقة، بل كان همه المصلحة الكويتية العامة.
الدكتور أحمد الخطيب لم يُشكّل يوماً خطرًا على الكويت، بقدر ما كان إضافة مميزة لمسارها السياسي والديموقراطي الحر. مارس المعارضة بحكمة عبر عضويته في البرلمان، واستخدم وجوده النيابي ليطرح مسائل تمس كل مواطن، وليدافع عن قضايا شعبية ودستورية. واستخدم منصة الكتابة في جريدة الطليعة، بعد خروجه من مجلس الأمة، ليستمر في دوره الرقابي والإصلاحي عبر مبادرات فكرية ولقاءات سياسية كان آخرها لقاء جمعه قبل رحيله بالأمير الراحل الشيخ نواف الأحمد رحمهم الله جميعا.
اليوم هنالك قضايا وتشريعات وقوانين تصدر وتحتاج الى أكثر من صوت ورأي، قوانين الجنسية والأحوال الشخصية، ومراجعة المناهج التعليمية، وقوانين الإعاقة وغيرها، تحتاج الكويت معها لأكثر من صوت حتى تستقر تلك القوانين في مرماها الصحيح، وتصيب هدفها الصحيح والمرجو.
واليوم هنالك من الكفاءات الكويتية من يستطيع أن يلعب مثل هذا الدور ويكون رافدًا للحكومة، لا غريمًا لها، وداعمًا لقراراتها الصحيحة، لا رافضًا لها.
نفتقد حكمة وحنكة الدكتور أحمد الخطيب، ومعارضته الملتزمة، ومصداقيته داخل الشارع الكويتي، وضميره الذي لا يمكن أبدًا ان يكون موضع شك سواء من المواطنين أو من النخبة والحكومة.
لكن يبقى في الساحة من لا يزال يحمل بذرة نضج وحكمة وحنكة الدكتور أحمد الخطيب، يمارس هذا البعض المعارضة بالحجج وليس بالنبرة العالية الفارغة، يستند الى الحقائق لا الاشاعات، يهدف الى الإصلاح والمصلحة العامة لا المشاحنة والبغضاء والإدانة، ينتقد سياسات دون أن يمس اشخاصًا ولا أسماء، يطرح بدائل ومقترحات عملية، وليس مجرد انتقادات فارغة تقود الى طرق مسدودة.
مثل هذا البعض يوفر شفافية ورؤية وجودة في القرارات، لا خطرًا وفوضى، ويخلق مع الوقت مناخًا إصلاحيًا صحيًا عمليًا وفاعلًا.
المعارضة ليست خطرًا على الاطلاق، بل هي إضافة وخطوة مهمة لتعزيز ثقة المواطن بالدولة، هي الضامن لعدم تراكم الأخطاء، ومؤشر على النضج السياسي في أي مجتمع كان، ومن هنا نستطيع القول ان الدكتور أحمد الخطيب لم يُخطئ بمعارضته الحكيمة والرزينة، والتي كانت وبشهادة الجميع، إضافة لمسار الكويت السياسي، ولم يكن يومًا خطرًا على الكويت.
سعاد فهد المعجل
الكلمات المفتاحية:الدكتور أحمد الخطيب-التباين الفطري-فن المعارضة الناضجة-الشيخ نواف الأحمد
