هل آن أوان جمهورية العراق؟

تميزت القمة الخليجية الخامسة عشرة والتي عقدت في المنامة بطابع جدي ميزها عن سواها من قمم مجلس التعاون السابقة!! وقد جاء ذلك من خلال حرصها على إثارة قضايا ساخنة معلقة تؤرق المنطقة، وتعيق في أحيان كثيرة سبل التواصل بين دول المنطقة، وقد عكس البيان الختامي وعي القادة الخليجيين وإدراكهم ضرورة التركيز على معوقات التواصل والترابط في ما بينهم قبل الشروع في أي محاولة لبناء علاقات أياَ كان نوعها!!
أكثر ما تميز به مؤتمر القمة الخليجية الأخير، هو اعتراف قادة دول الخليج بالواقع الحرج الذي يواجه دول الخليج.. خاصة بعد غزو الوطن وحرب الخليج.. ومع نمو ظاهرة التطرف الديني المصحوبة بالإرهاب!! كذلك بدت الدعوة صريحة من قبل المؤتمر إلى ضرورة إشراك المواطن في مجابهة تحديات المرحلة المقبلة!! مما يمكن اعتباره خطوة ناجحة للمؤتمر!! فإدراك الخطر وأبعاده وتبعاته هي أولى مراحل التصدي له والحد من أضراره!!
لا شك في أن هناك قضايا عالقة بين دول الخليج، بقيت وإلى وقت قريب في معزل عن النقاش والتداول.. كما بقي المواطن الخليجي بعيداً عن تفاصيلها!! إلى أن أدى تراكمها إلى الخلافات التي شهدناها بين دول المنطقة مع مطلع التسعينيات!! فالمنازعات الحدودية بين دول المنطقة بإمكانها أن تعيق أي محاولة للاندماج والتعاون بين دول الخليج!! وإدراك مخاطر تجميدها والإبقاء عليها، يأتي في قمة إنجازات المؤتمر الخليجي الآخر، وذلك من خلال البدء بمفاوضات ثنائية في العام المقبل لحل الخلافات الحدودية وإيجاد آلية فاعلة لتنفيذ ما يتم التوصل إليه!!
ما لفت الانتباه حقاً في اجتماع قادة الخليج هو صياغة موقف موحد من العراق!! فعلى الرغم من أن المجلس قد تمسك بوجوب تنفيذ العراق لكافة قرارات مجلس الأمن ذات الصلة بعدوانه على الوطن!! إلا أن إشارة البيان الختامي إلى “جمهورية العراق” بدلاً من “النظام العراقي” يدفعنا التوقف قليلاً هنا!!
فعلى الرغم من إشادة المجلس باعتراف النظام العراقي بسيادة دولة الكويتوسلامتها الإقليمية وحدودها الدولية وعلى الرغم من تعاطف القمة الخليجية مع الشعب العراقي الشقيق في محنته!! إلا أن الموقف الخليجي من تلك المعاناة والمحن قد بدأ ضعيفاً متردداً! سواء من حيث الإصرار على اللقب الجديد أي “جمهورية العراق” بدلاً من “نظام العراق”.. والذي ظل متداولاً رسمياً حرصاً من دول الخليج على فصل العراق كشعب ودولة عن نظامه العدواني الديكتاتوري، أو من خلال التردد في اعتبار نظام بغداد مصدراً للااستقرار، وللظروف الدقيقة الحرجة التي تواجهها دول المنطقة ممثلة بأعباء أمنية واقتصادية وسياسية، والتي من أجل معالجتها اجتمع قادة الخليج!!
قد لا نبالغ كثيراً إذا قلنا أننا بصدد الوقوع في الخطأ ذاته الذي كان أحد مسببات حالة اللااستقرار والخطر في منطقة الخليج، والذي أثارها عدوان النظام العراقي على الوطن!! فلقد عزلنا كدول خليجية عن معاناة الشعب العراقي في ظل نظامه الحاكم.. عن (المآثر) التي كان يحققها ذلك النظام في دفاعه عن (بوابتنا الشرقية) والتي أسبغت على نظام بغداد صفات بطولية، كان نصيب الشعب العراقي منها قتلاً ورعباً وخوفاً!!
ونحن الآن، في حديثنا عن “جمهورية العراق” نقع في الخطأ ذاته ويجعلنا نحن أول المتضررين، نتخذ موقفاً مرناً إلى حد كبير مع من لا يزال يقتات على دماء شعبه!! وهو موقف يبدو غامضاً، خاصة إذا ما قورن بصلابة الموقف الدولي تجاه النظام العراقي!!
حدثتني يوماً سيدة عراقية نجحت في الهروب من جحيم النظام العراقي إلى عاصمة أوروبية عن مدى اليأس الذي أصاب المواطن العراقي من الموقف الخليجي تجاه “نظام بغداد“!! حدثتني قائلة كيف أنها وغيرها كان يرى في معاناة الكويت امتداداً لمعاناة العراق، وعن محاولات الكثيرين بذر واقع ذلك الامتداد في نفوس الأطفال من خلال الامتناع عن شراء بضائع الوطن المسروقة، لكونها ملطخة بدماء كدمائهم!! وتحدثت كيف انقطع ذلك الامتناع في أعقاب تحرير الوطن، وكيف أصبحت قضية معاناة الشعبين في ظل نظام جائر لتصبح قضية الشعب العراقي وحده!!
بقاء النظام العراقي واستمراره في جلب المآسي والخوف والقتل على شعبه كانا بإمكانهما أن يشكلا أهم بنود اللااستقرار والمخاطر المستقبلية في المنطقة!! والتي كان على قادة الدول الخليجية إثارته!!
فهو إلى جانب صبغته الإنسانية، التي تتفق مع المؤازرة التي أبداها المؤتمر للشعب العراقي في محنته! يحمل أيضاً جانباً سياسياً، يتمثل بكونه فعلياً مصدر خطر وقلق دائم للمنطقة وشعوبها!!
لا أحد يعرف بعد أسباب التردد الذي أبداه المؤتمرون في عدم التأكيد على مخاطر بقاء النظام العراقي!! ولا على عدم ربط معاناة الشعب العراقي باستمرار نظامه!! فالبعض كان يرى في ذلك تدخلاً غير مبرر في شؤون دولة داخلية!!
بينما يرى البعض الآخر أن هنالك مساومات تدار في الخفاء لإعادة العراق إلى الحظيرة العربية في ظل نظامه!!
وأياً كانت صبغة التعديلات!! سيبقى الوضع القائم فعلياً أن أول الرافضين لمشروع إعادة “جمهورية العراق” في ظل نظام بغداد هو الشعب العراقي ذاته، الذي أبدينا مؤازرتنا له وتفهمنا لمعاناته.. ومحنته!!
