الأرشيف

هكذا أصبحنا عبيداً للتكنولوجيا

[جريدة القبس 27/7/2024]

هكذا وفجأة انطفأ العالم من أقصاه إلى أقصاه، وتعطّلت حركة الطيران والقطارات، وتوقّفت العمليات الجراحية، وخرج النظام الصحي والمالي عن الخدمة، ودخل العالم بأكمله، وفقاً لوصف إحدى الصحف الإنكليزية، في جائحة رقمية شلّت العالم في ثوان معدودة.
عمّت الفوضى، التي استغلها بعض قراصنة التكنولوجيا، فتم اختراق الحسابات البنكية تماماً، كما يحدث في سرقات البنوك والمحلات في فترات الفوضى وانقطاع الكهرباء.
من المشاهد اللافتة للنظر أن المطارات استعانت بألواح خشبية أو بيضاء، عليها كتابات يدوية بأقلام ملوّنة، كما في الفصول المدرسية قديماً، توضّح مسارات الطائرات، وأرقام الرحلات، ومخارج ومداخل المغادرة والوصول. بمعنى آخر، وجد العالم نفسه مضطراً للعودة إلى فطرة الواقع حين خذله “تفوّق” العالم الافتراضي ببرامجه وأدواته وتطبيقاته.
ما حدث يوم التاسع عشر من يوليو، يحمل في طياته مفارقة عجيبة وجديرة بالتأمل، فالإنسان الذي ناضل وحارب وقاوم وتصدى عِبْر تاريخه في سبيل التحرّر والانعتاق من العبودية، خَلَقَ بنفسه قفصاً حديدياً تحرسه كيانات افتراضية، وتقنية تفرض سلطتها بطريقة ناعمة من جهة، وترسّخ العبودية المُطلَقَة من جهة أخرى.
ليست المرة الأولى التي تخذل التكنولوجيا فيها الإنسان، فقد حدَثَت حالات توقُّف للإنترنت من قبل، وبشكل أربك العالم بأسره، لكن ما حدث يوم التاسع عشر من يوليو جاء مختلفاً من حيث حجم الضرر ودرجة العطل والشلل، اللذين ضربا العالم بمرافقه.
تناول الفيلسوف مارتن هايدغر موضوع التقنية من حقيقة التهديد الذي تُشكّله، والمُتمثّل في الاستلاب المُحتَمَل لحرية الإنسان، فهو يرى أن التقنية ترهن الإنسان إلى درجة لا يستطيع معها أن يتصوّر الوجود من دونها، بحيث أصبح الإشكال كامناً في عدم إمكان استعادة الوجود لفطرته، التي كان يتمتع بها قبل ظهور التقنية، ومن ثم استعادة حريته المسلوبة من جديد.
بالإضافة إلى هايدغر، هنالك الكثير من الفلاسفة، وكذلك من عامة الناس، ومن غير المتخصصين، الذين أصبحوا اليوم يطرحون سؤالهم حول علاقة التكنولوجيا أو التقنية بمسألة اغتراب الإنسان عن حقيقته كإنسان. وعما إذا كان كل هذا التقدّم في شتى المجالات قد جاء بفائدة مُطلَقَة للبشر، أم أنه يحمل في طياته استعباداً لهم.
قد لا ينكر أحد على الإطلاق ما حقّقته التكنولوجيا من جودة في الحياة والخدمات، صحية كانت أم تعليمية أم على مستوى التواصل والاتصال والتنقّل، لكنها قطعاً تملك في طرفها الآخر خطراً فعلياً، تماماً مثل السكّين التي بإمكانها مساعدتنا في قطع التفاحة وتقشيرها بسهولة، لكنها من جهة أخرى يمكن أن تكون أداة قتل وجريمة.
حتى الآن لا توجد مؤشرات دقيقة تشير إلى مسار الصراع بين الإنسان والآلة، فبحسب المشاهدات المُتاحة اليوم، نكاد نجزم بأن الآلة في طريقها للسيطرة على الإنسان، وأن التكنولوجيا قد تفوّقت، على الأقل في المرحلة الراهنة، على العقل البشري، حتى إن بعض الدراسات أصبحت تتنبأ باحتمالات تتجاوز الخمسين بالمئة، بأن الآلات ستتفوّق على البشر في العقود القريبة المقبلة، فالآلة تقوم اليوم بدور المعلم، والطبيب، والمترجم والمحاسب، والمحارب، والطيار، ومهام أخرى، بمعنى آخر أنها – أي الآلة – قد حلّت شيئاً فشيئاً محل الذكاء البشري، وتغلّبت “الفطنة” الافتراضية على الفطرة الإنسانية وبشكل مخيف.
الثورة الرقمية، شأنها شأن أي ثورة، قد خلّفت أسياداً وعبيداً، جاء فيها نصيب البشر مُتدنياً إلى خانة العبودية في مواجهة سيادة مُطلَقَة للآلة والتقنية التي أرهبت العالم وملأته ذعراً، وقيّدت حركته، وشلّت مرافقه، يوم غضبت وتوقّفَت في التاسع عشر من يوليو.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى