الأرشيف

هبة التفرغ العلمي

[جريدة القبس 18/10/2005]

بدأ العام الدراسي الجديد، وبدأ معه مسلسل الشكاوى والتذمر، سواء من جانب العاملين في قطاع التعليم، أو من أهالي الطلبة والتلاميذ.
وبالطبع، وكالعادة، فقد كان للجامعة حصتها ونصيبها من ذلك المسلسل، وحيث تتلخص مشاكل الجامعة في الشُّعَبْ المغلقة، والنقص في أعضاء هيئة التدريس، وتأخر وصول الكتب الدراسية، وغير ذلك من المشاكل الموسمية التي اعتدنا عليها عند بداية كل موسم دراسي، لكن هنالك أيضاً مشاكل قد لا تتمتع بالعلنية نفسها في الطرح، والتي عادة ما تتمتع بها مشاكل الجامعة الموسمية، إلا أنها تشكل خطراً قد يفوق خطر الشُّعَبْ المغلقة، والنقص في هيئة التدريس وغيرها من مشاكل تطل برأسها عند بداية كل عام دراسي.
الحديث عن الخلل في تطبيق قوانين الجامعة التي أصبحت تحكمها مزاجية القياديين.
هو حديث ليس بجديد، لكن الجديد هنا هو أنه قد تجاوز مرحلة الهمس، وأصبح حديثاً علنياً من الصعب تجاوزه، خاصة في ظل التذمر المتنامي لأفراد طالهم ظلم تلك المزاجية، في تطبيق القوانين التي أصبحت أخطر من أن يتم تجاوزها، أو تجاهلها كمشكلة تهدد كيان الجامعة كمؤسسة تربوية تضم نخبة المجتمع من المتعلمين والمثقفين.
آخر الأمور التي أصبحت تحاصرها المزاجية الجامعية في تطبيق القرارات، نظام التفرغ العلمي الذي ينص على أن لعضو هيئة التدريس الذي أمضى مدة لا تقل عن أربع سنوات في أحد المناصب القيادية في الجامعة الحصول على مهمة علمية بمرتب شامل، ومنحة تعادل المرتب الشامل لمدة لا تجاوز سنتين يقضيها في إحدى الجامعات، أو مراكز البحوث العلمية في الخارج، وذلك لإتاحة الفرصة له لمتابعة دراساته وبحوثه، ويمنح في هذه الحالة تذاكر سفر له ولعائلته، ويكون ذلك بقرار من مجلس الجامعة.
ذلك هو ما نص عليه قانون التفرغ العلمي، لكن واقع التطبيق في الحرم الجامعي يتناقض جملة وتفصيلاً مع الأهداف الحقيقية من وراء “التفرغ العلمي”، والذي أصبح الترشيح له رهن مزاجية الإدارة الجامعية، وبحيث صار الحصول على “مهمة التفرغ العلمي”، أشبه بالمكافأة التي تغدقها الإدارة الجامعية على أولئك “الملتزمين” مع رؤاها، من غير المعارضين لقراراتها وبرامجها حتى وإن تعارضت مع مصلحة الجامعة والطلبة والأساتذة بشكل عام.
مهمة التفرغ العلمي، فرغت تماماً من محتواها الذي يشترط على المتفرغ القيام بالبحوث والدراسات للاستفادة الأكاديمية والعامة، وأصبحت أشبه بالإجازة للراحة والاستجمام، وأداء “المهمات” الخاصة التي قد تعيقها مسألة انتظام عضو هيئة التدريس في مهامه المعتادة من محاضرات وإشراف وغيره، كما أنها أصبحت سلاحاً فعالاً في يد الإدارة الجامعية، تدافع به عن المقربين والمحظيين، وتشهره في وجه المعارضين، والخارجين على طاعتها، وهي – أي الإدارة الجامعية – لا تتوانى عن التفنن في كيفية استخدام سلاح المهمة العلمية بصورة تقيها سيف المساءلة القانونية، فهنالك أرقام وحقائق تؤكد كيف أن الإدارة الجامعية تحرص على “عدم تجاوز” قانون المهمات العلمية، والذي يشترط على المرشح أن يكون قد أمضى أربع سنوات في أحد المناصب القيادية، وذلك بنقل المرشح حين ينهي مهمة علمية، إلى منصب إداري آخر، وذلك لكي يتسنى له الترشيح مرة أخرى، وهكذا حتى أصبح الأمر أشبه بلعبة الكراسي المتحركة، بل إن بعض الأمور المستعصية في إقرار المهمة العلمية، يتم عرضها على اللجان المختلفة لعمل التغيير المطلوب لدعم القرار بإسباغ هبة التفرغ العلمي على أستاذ ما.
لا أملك شخصياً أرقاماً تشير إلى التكلفة المالية التي تتكبدها الجامعة من وراء ملف المهمات العلمية، لكنني أجزم، وبصفتي من قلب الحرم الجامعي، أن العائد الأكاديمي والعلمي من وراء ذلك الملف هو بالكاد يحصى أو يلمس، ولتبق الكلمة لمن بيدهم الفصل، بين أن تبقى المهمات العلمية هبات توزع على قلائل، وبين أن تكون إنجازات يحصد عائدها الجسم الجامعي بأكمله.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى