
صادفت أمس الاثنين 16 نوفمبر، ذكرى إعلان يوم التسامح العالمي، حيث اعتمد المؤتمر العام لليونيسكو في دورته الثامنة والعشرين في 16 نوفمبر 1995 إعلان مبادئ بشأن التسامح، حيث جاء في ديباجة الإعلان أن الدول الأعضاء في اليونيسكو إذ تضع في اعتبارها أن ميثاق الأمم المتحدة ينص على أننا “نحن شعوب الأمم المتحدة، وقد آلينا في أنفسنا أن ننقذ الأجيال القادمة من ويلات الحروب، وأن نؤكد من جديد إيماننا بالحقوق الأساسية للإنسان وبكرامة الفرد وقدره، وفي سبيل هذه الغايات اعتزمنا أن نأخذ أنفسنا بالتسامح وأن نعيش معاً في سلام وحسن جوار” انتهى.
قيل وكتب الكثير عن التسامح كمفهوم ومفردة لغوية، لكن التطبيق لا يزال حلماً يراود البشر كلما جن جنون الحرب وثار غبارها وألقت بكراهيتها على مشاعر البشر تجاه بعضهم بعضاً!
فلقد أصبحنا نعيش في مناخ سوداوي تحاصره كل أشكال عدم التسامح من كراهية للأجانب ونزاعات قومية وعنصرية، وتهميش للأقليات واللاجئين، وتزايد غير مسبوق لأعمال العنف والقمع ومعاداة الآخر وكبح الرأي الحر وغيرها، ما أصبح يستدعي التذكير إعلامياً وثقافياً وتعليمياً وتربوياً بأسس التسامح وشروطه وأهميته في خلق مجتمع مستقر خالٍ من الحروب والكراهية والدم!
يخلط البعض بين التسامح كمبدأ وبين التنازل عن الحقوق من باب الضعف أو الاستسلام، وهذه قد تكون معوقاً أساسياً في رفض البعض للتسامح لكونه مؤشراً على ضعف طرف في وجه طرف آخر!
التسامح لا يعني التنازل، وإنما هو في جوهره قبول للتنوع البشري وللاختلاف الفكري والعقائدي وللتعدد الثقافي والمعرفي!
هو لا يعني التنازل عن موروث الفرد من فكر وثقافة ومعتقد، وإنما تمسك بهذا الموروث مع الانفتاح على موروثات أخرى وقبولها واحترامها!
التسامح لا يعني انكساراً وضعفاً، بل على العكس من ذلك تماماً، فهو يشكل قوة أكبر بكثير من قوة الانتقام والتصدي، فأعقل الناس هم أعذرهم للناس، كما قال علي بن أبي طالب!
قد تتحمل الدولة والأنظمة باعتبارها في هرمية القرار وزر غياب التسامح في مجتمعاتنا، فغياب العدالة والعدل والتمييز في تطبيق القوانين، من أكبر مثيرات الضغينة والغضب والتعصب، وبالتالي غياب التسامح لدى الشعوب بشكل أفرز هذا الخليط المحزن من الكراهية والحقد والعنف والدموية التي سادت المشهد العربي اليوم!
نحن في العالم العربي في أشد الحاجة لأن نكون أول المتمسكين بإعلان اليونيسكو لمبادئ التسامح، ليس تمسكاً موسمياً أو فصلياً أو احتفالياً شكلياً، وإنما تمسك بكونه (أي التسامح) المخرج الوحيد لنا اليوم من دائرة العنف وحقول الدماء!
