الأرشيف

نهاية عصر الخطيب

[جريدة القبس 1/5/1995]

لم تكن الحضارة اليونانية القديمة تفرق بين الفيلسوف والسياسي!! ففلاسفة اليونان كانوا هم صنّاع سياستها، ومخططو نهجها الاقتصادي وبناة نظامها الاجتماعي والسياسي!!
وإذا كان لتلك المرحلة من التاريخ ظروفها التي مزجت الدورين.. ونصبت السياسي فيلسوفاً!! فإنها ولا شك تختلف الآن، في ظل ظروف عصرنا الحاضر!! على الرغم من أن الكثيرين ما زالوا يصرون على أداء الاثنين معاً!! بمعنى أن يكون فيلسوفاً وخطيباً إلى جانب دوره السياسي!
القدرة على الخطابة وصياغة الكلام.. بل والتنظير، هي، ولا شك، مقدرة وموهبة، لا نستطيع امتهانها.. ولا يمكن الاستغناء عنها في أي مجتمع كان!! بل ولعلنا.. في المجتمعات العربية بوجه خاص نحرص على بقائها واستمرارها حاضرة!! لما كان لها من أسس في تاريخنا اللغوي منه.. كما الحضاري والثقافي بل والسياسي إلى حد ما!!
الآن، وفي عصر الكمبيوتر والثورة المعلوماتية، أصبح العالم بأكمله في حضرة عصر جديد.. أتى بمفاهيم ومقاييس جديدة، كان أثرها الأكبر في منزلة الخطيب ومقام الفيلسوف والمنظر!! الحضارة الصورية أو الكمبيوترية، طرحت مقاييس جديدة لدور الفيلسوف والخطيب.. طالت انعكاساتها ظروفنا الاجتماعية.. وليس السياسية وحسب!! وأحدثت انقلاباً لا يقل عمَّا أحدثته آلة البخار حين تمَّ اكتشافها في بريطانيا!! فقد خلقت تصورات جديدة لمفاهيم كالوقت والمساحة والمسافة بل وللعلاقات الفردية كذلك!!
في ظل ثورة جديدة كهذه تجابهها البشرية الآن.. ما زلنا في هذا الوطن متمسكين بذيول مقاييسنا القديمة للقدرات الفردية!! ما زال الخطيب، أو صائغ الكلمات، له الحظوة الأولى في المجتمع!! ولقد شهدنا جميعاً ذلك التقييم الأعوج إبان الحملات الانتخابية للمجلس الحالي!! حيث كانت مقدرة المرشح الكلامية.. مفتاح قبوله الجماهيري.. وهي مقدرة استطاع البعض تسخيرها كل حسب استطاعته!!
الآن وفي ظل الجدل الواسع الذي تشهده الساحة البرلمانية، خاصة فيما يختص بقضايا الفساد التي طالت حتى مؤسساتنا الدفاعية، التي تضم حماة الوطن ورعاة أمنه وأمانه!! الآن وفي ظل المواقف الجادة التي تتطلب سياسياً لا خطيباً.. شهدنا ونشهد تراجعاً كبيراً في مقدرة بعض المرشحين.. الذين كان سلاحهم الخطابي لاذعاً وقتها في التصدي لمحاولات التقليل من شأن الصرح البرلماني الممثل بمجلس الشعب والأمة!! الآن يدخل الوطن بمواطنيه في عملية حرجة، ولكنها صحية، لإعادة تقييم مقومات المرشح الحقيقية!! ويبدأ فيها المواطن بفصل المقدرتين السياسية والخطابية بما يتلاءم مع ما نشهده من تغير في مقاييس أحدثتها الثورة المعلوماتية الكمبيوترية!!
قد لا يعني ذلك استغناء عن دور الفيلسوف أو الخطيب والمنظر!! فدورهم العلمي والسياسي والاجتماعي سيبقى.. وإن كانت حدوده هي التي سيعاد النظر فيها، بحيث تشكل أطرها ومساحاتها!! فللخطابة والفلسفة جانبهما النظري البحت الذي يسوق نظريات وأفكاراً تكون موضع نقد وبحث وتساؤل!! بحيث لا تختلط بالسياسة.. التي هي علم التغيير والتطوير!! فالسياسي هو الذي يكون قادراً على صياغة برامج واضحة ومحددة لأساليب التغيير وطرقها ومنافذها!! وهو الأمر الذي نفتقده حقيقة عند التصدي لقضايا هذا الوطن ولمشكلاته وأزماته!!
لقد تعرضنا فلسفياً وجادلنا خطابياً وتحدثنا كتابة ونثراً عن قضايا الفساد.. والسرقات.. وحقوق المواطنة المنتهكة.. والمخاطر التي ما زالت تحيق بنا كدولة.. وكمواطنين.. بحيث أصبح المواطن مطلعاً على كل ما يحيط بالوطن من أزمات!! ونحن الآن بحاجة إلى سياسي يعرض بالخط الواضح والعريض برنامجاً للخروج بالوطن من تلك المآزق!! برنامجاً يحوي من العمل أكثر مما يحوي من الخطب والكلمات!! نحن بحاجة حقاً إلى من يرسم خطاً واضحاً بين فلاسفة الوطن وساسته!! لكي نعلن جميعاً.. نهاية عصر الخطيب!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى