
تصورت وبسذاجة مفرطة أن تحرير الكويت من قبضة دكتاتور بغداد سيعني نهاية تاريخ الاستبداد والظلم والطغيان.
وتخيلت بسذاجة أكبر أن تحرير الكويت سيكون الشعلة التي تضيء دروب الحرية في سائر دول المنطقة العربية!
وحلمت بأن انهيار دكتاتور في عاصمة عربية سيحمل تباعاً انهياراً للظلم والاستبداد في سائر عالمنا العربي المسكين!
لكن جميعها كانت أحلاماً على ما يبدو، فالكويت عادت بصيغة جديدة من التخلف والفساد والنهب واختزال القوانين في شخوص، والعراق سقط في يد عشرات الدكتاتوريين بعد أن كان في قبضة واحد فقط. أما العالم العربي فقد تراجع قروناً بفعل الخرافة والجهل والاستسلام، وأصبحت قضيته الأولى دمية بيد الطامحين للسلطة والمال والثروة النفوذ.
لست الوحيدة التي أخطأت في حساباتها وحدود أحلامها، فقد سبقني في ذلك المفكر الشهير فرانسيس فوكو ياما حين تنبأ بنهاية تاريخ الاضطهاد والنظم الشمولية إثر انتهاء الحرب الباردة بانهيار سور برلين وسقوط الاتحاد السوفيتي، وقبله تحدث كارل ماركس في نظريته الشهيرة التي تنبأ فيها بنهاية تاريخ الاستبداد الإنساني حينما تزول الفروقات بين الطبقات في المجتمع الواحد!
الأحلام وحدها والأمنيات لا يمكن أن تحقق طموحاً ولا أن تبني دولة، بدليل أن حلمي الجميل بكويت رائعة وخالية من كل مشاهد الزيف والفساد والتخلف، قد تحطم على صخور الواقع الذي كان معبقاً بروح الفساد وإقصاء المخلص والالتفاف على الديمقراطية، هذا الواقع الذي صدمنا جميعاً في مرحلة ما بعد التحرير وجردنا جميعاً من أبسط أحلامنا وأمنياتنا بكويت أكثر جمالاً ورونقاً! كذلك كانت حال فرانسيس فوكو ياما الذي تراجع بحلمه في عام 2003، حيث عبر في سلسلة مقالات عن قناعته بأن على الولايات المتحدة أن تستخدم القوة في ترويجها للديمقراطية، ولكن بالتوازي مع ما أطلق عليه نموذج نلسون الواقعي، حيث اعتبر أن استخدام القوة يجب أن يكون آخر الخيارات التي يتم اللجوء إليها، وكأنه ألمح إلى أن هذه الاستراتيجية تحتاج إلى المزيد من الصبر والوقت، معتبراً أن التركيز على إصلاح التعليم ودعم مشاريع التنمية يمنحان سياسة الولايات المتحدة لنشر الديمقراطية، أبعاداً شرعية! (ويكيبيديا).
هل كنت مخطئة في حلمي بولادة كويت ما بعد الغزو؟ وهل أخطأ فوكو ياما بنبوءته بنهاية تاريخ الظلم والاستبداد إثر انهيار سور برلين وسقوط المعسكر السوفيتي؟ الإجابة ولا شك تكمن في تطورات الأوضاع في الكويت، والتي هي نتاج لسلسلة من الأحداث المتراكمة منذ تحرير الوطن.
أما الإجابة عن نبوءة فوكو ياما بنهاية تاريخ الاستبداد فمؤشراتها تكمن في حركة “احتلوا وول ستريت” التي خرجت لتؤكد أن الظلم والاستبداد لا يزالان سائدين ولم تسلم منهما حتى أعتى ديمقراطيات الأرض في بريطانيا وأمريكا، حيث انطلقت هذه الحركة.
