
قد لا يجادل أحد على الإطلاق في أن سياسة الإحلال تعتبر مشروعاً وطنياً حقيقياً، يحتمه الوضع التنموي المتدهور وتفرضه طبيعة المشاكل المتمثلة في ذلك التباين الهائل بين مخرجات التعليم من جهة، وبين احتياجات سوق العمل من جهة أخرى!! فالأرقام تحمل مؤشرات مخيفة، يقول بعضها إن في الخمسة أعوام القادمة سيتخرج من التعليم العالي ما يقارب التسعين ألف طالب، تستطيع الجامعة أن توفر مقاعد لنحو واحد وعشرين ألفاً فقط بينما يستقبل التعليم التطبيقي ما يقارب التسعة وأربعين ألفاً، مما يتركنا بفائض عشرين ألف طالب بلا فرص تأهيل جامعي أو تعليم عال!!
لا نريد أن نذكر هنا بمخاطر اللاتوازن بين احتياجات سوق العمل وبين المخرجات التعليمية في أي مجتمع كان!! فكيف إذاً بحال مجتمع كالمجتمع الكويتي، يعتمد أكثر من تسعين بالمائة من قوة العمل فيه على الحكومة ورعايتها الوظيفية!!
كذلك نحن لا نريد أن نذكر بأن هذه (الكارثة) التنموية قد استمدت عنفوانها (وفجائيتها) من تردي مشاريع التخطيط بشكل عام!! فعنصر (المفاجأة) الذي انتاب الجميع، سواء كانوا مسؤولين أم مواطنين ما كان يجب أن يبرز بالصورة التي هو عليها الآن، لأن تراكمات اللاتخطيط كانت مؤشراً واضحاً لمن يريد بالفعل معالجة تلك الأخطاء الفادحة في التخطيط والتي كان الجميع مدركاً لخطورة تبعاتها حتى قبل أن تفجرها أزمة القبول في الجامعة والمعاهد التطبيقية!!
إذاً مشروع الإحلال وفي ظل ظروف صعبة كهذه يعتبر مخرجاً طبيعياً لجأت إليه الحكومة وبسرعة في محاولة يائسة منها لامتصاص ذلك التذمر الواضح الذي عبر عنه المواطن!! غير أنه يبقى مشروعاً تنموياً، لا يأتي بقرار سياسي، وإنما يأتي من خلال برامج ومشاريع لتأهيل الأطراف كلها، وبتدرج مدروس يبلغ الهدف من دون أضرار ومن دون إشكالات قد تحمل سلبيات نحن في غنى عنها!!
مشروع الإحلال هو بلا شك عنوان جديد لمشروع التكويت!! والذي تخبطت الحكومة في تنفيذه بصورة أربكت العمل في مؤسسات كثيرة!! فالتكويت أدى وكما رأينا إلى يقين المواطن (بحقه) المطلق في الوظيفة الحكومية!! بالإضافة إلى كونه مشروعاً ألحق أضراراً كبيرة بقطاعات كالتعليم والتطبيب مثلاً!! بسبب تلك العجالة التي رافقت تطبيقه!! خصوصاً أن هنالك وظائف هي كالسجاد الإيراني تماماً تتضاعف قيمته بمرور الزمن والاستخدام!! إذاً كانت كارثة القبول الأخيرة قد فتحت أعين الحكومة على مخاطر وتبعات استمرار اللاتوازن بين العرض والطلب في سوق العمل، فإن المطلوب من الحكومة الآن وفي صحوتها من غفوة طالت، أن تتعاون مع المؤسسات التعليمية، والمجتمع بشكل عام، في سبيل العمل على تغيير مفاهيم ذات صلة بقيم العمل وروح التنافس البناء!! فمفهوم (الحق المطلق) في الوظيفة مثلاً بحاجة إلى إعادة نظر تكون منصفة للأطراف كلها!! كذلك يأتي مفهوم (الكويتي الذي لا يُفصل) كأحد أبرز المعوقات، لأنه لا يؤدي إلى تكدس الموظفين وحسب، وإنما أيضاً إلى تبلد إحساسهم بضرورة وحيوية التنافس الوظيفي في مجال العمل!!
لقد كان للوفرة المالية بسبب تدفق النفط آثار سلبية انعكست وبصورة مباشرة على مفاهيم العمل والإنتاج والتنافس والتي تميزت بها روح الفرد الكويتي من قبل!! وقد استطاع المجتمع آنذاك أن يقدم بنية اقتصادية واضحة، وفرت للمجتمع آليات للإنتاج والعمل!! فعلى الرغم مما فرضته ظروف نشأة المجتمع الكويتي من تباين طبقي انعكس على العمل بالصورة التي نعرفها من تقسيم للأدوار كان غيرمنصف في أحيان كثيرة!! إلا أن ذلك لم يتداخل مع قيم العمل ومفاهيمه، ولم يؤثر في الروح التنافسية التي طالما تحدى بها الفرد الكويتي صعاباً كثيرة!!
نحن الآن ولا شك في مواجهة ظروف جديدة، تختلف تماماً عن ظروف ما قبل النفط، وظروف زمن الوفرة!! كذلك نحن مقبلون على مرحلة زمنية تفرض علينا معطياتها إعادة نظر جادة في مفهوم العمل والإنتاج لدى المواطن!! خصوصاً بعد أن طغت عليها شهوة الثراء والربح السريع والسهل!! فأخمدت معها روح التنافس والحماس!! وكلها أمور لا نريد أن نغفلها أو نتجاهلها ونحن في لهفة الإحلال أو التكويت!! فالتنمية بشكل عام مشروع متصل لا يتوقف لمجرد بلوغ الهدف!! لذا فإن الحديث عن الإحلال كهدف بحد ذاته يؤكد على خلل كبير ومؤسف في مفهوم التنمية كمشروع مستمر، وستكون له انعكاساته الخطيرة، ما لم نُحدد نصيب الإحلال من التنمية بشكل دقيق!!
