
حين قال تولستوي مقولته الشهيرة إن “الحقيقة ينبغي أن تُفرَّض دون عنف” بدا وكأنه يقصد بذلك الإعلام العربي.. فحين يتابع أي فرد منا وكالات الأنباء العربية في سردها للتفاصيل والأخبار الدائرة في هذا العالم.. يستطيع وبسهولة.. ودون أن ينظر إلى موجات الراديو أن يتبين الجهة التي تبث الخبر.. لما يصاحبه من تحيّز واضح لجهة دون أخرى.. والذي غالباً ما يكون مصحوباً بسلسلة ألقاب ونعوت وشتائم تستغرق ضعف الوقت اللازم لصياغة الخبر.. لذلك نجد أن نشرات الأخبار في الإذاعات العربية لا تقل مدتها عن نصف الساعة غالباً.. نخرج منها بحصيلة لا تزيد عن خمس دقائق من الإصغاء التام، وهي المدة التي تستغرقها الأخبار المذاعة فعلاً.. ولذلك أيضاً نرى أن الفرد العربي يميل إلى متابعة الأخبار بما فيها أخبار وطنه العربي الكبير.. من إذاعات غير عربية لكونها أكثر موضوعية في صياغة الخبر.
إن تغطية الحقائق الإخبارية بركام الحقد والكراهية، وبالتطرق لجزئيات عقيمة ليس لها أي هدف موضوعي.. تفقد الجهة الإعلامية مصداقيتها.. وتتعارض مع مهمتها الأساسية في تعزيز النضج السياسي لأفراد المجتمع. فصناعة الخبر إلى جانب كونها مسؤولية.. يتوجب من القائمين عليها توخي الدقة والاهتمام بتقصي حقيقة ما يطرح.. فهي أمانة أيضاً تنوط بها الجهة المسؤولة عن صناعة الخبر. لتحقيق أقصى قدر من الموضوعية المنطلقة من الحقيقة الإخبارية.
وفي عالم كعالمنا اليوم.. تتباين فيه الأنظمة.. وتتشرب الآراء فيه باتجاهات متعارضة ومتناقضة.. لا أحد يملك ولا يستطيع أن يملك الحق في أن يرى نفسه على أنه مثال وتجسيد للخير المطلق.. وإن سواه صورة ومثال للشر المطلق. ولنا في النظام العراقي عبرة ودرس.. وهو نظام استطاع استثمار الكذب والتمويه عبر وسائل الإعلام.. ليحكم نفوذه وسيطرته على حساب مستقبل الشعب في العراق بصفة خاصة.. ومستقبل الشعب العربي بصفة عامة.. فتارة هو النظام المناضل الذي عاهد الله والوطن، واستل سيفه ليقطع دابر الصهيونية.. وليعيد الأرض عربية.. وتارة أخرى هو النظام الذي كفر بقضايا الأمة العربية، وتقوقع داخل حدوده.. ليعيد بناء ما دمرته القوى الإمبريالية الصهيونية الشريرة.. إلى آخر ما يذيل به كل خبر في نشرات أخبار النظام العراقي من نعوت وشتائم.
إن الحجر الذي يفرضه الإعلام العربي على الحقيقة في محاولة تضليل الرأي العام، يعكس مقدار التحيز الذي يتملكنا نحن بني يعرب.. وهو وراء ما نمارسه من تأليه لأفراد سرعان ما نجرهم سحلاً في الشوارع العربية.. ومبادئ وشعارات نرفعها إلى السماء.. ونموت دونها.. لنعود ونصفها بأنها السبب وراء تخلفنا وتقاعسنا حضارياً.
وإعلامنا في الكويت.. يخضع لذات الظروف التي يخضع لها الإعلام العربي ككل.. وأخطاؤنا الإعلامية كانت محل انتقاد الكثير سواء من أفراد هذا المجتمع أو من غيرهم من المجتمعات الأخرى.. وسواء في المرحلة التي سبقت الكارثة.. أو المرحلة الحالية.. فهو مزيج من السياسة والدعاية.. فالخبر الذي لا تحكمه قوانين الدقة.. يتحول إلى فوضى يصعب السيطرة عليها فيما بعد.. فالتطبيق اللامنطقي والذي سبق الكارثة كان يتعارض وبشدة مع ما كانت تبثه وكالات الأنباء الأخرى.. والتي بدت وكأن الحشود العراقية كانت على حدودها.. وليست على حدودنا والتخبط الذي صاحب إعلامنا إبان الغزو.. والذي أصاب أهل الداخل بالضرر في حالات عديدة.. يعكس مدى ضآلة الجهد المبذول ومدى افتقادنا للدقة في صناعة الخبر.
أما إعلام ما بعد الكارثة.. فهو إعلام الثأر من كل من عادانا وساند النظام العراقي.. وأيده في مسح الهوية الكويتية.. فكان أن صنفنا العالم في خانتين.. خانة الخير المطلق الذي أيدنا وساندنا.. وخانة الشر المطلق الذي عادانا وتستر على الجريمة.. في تجاهل تام للفرضية القائمة بأنه وفي مثل هذه المراحل الحاسمة من حياة المجتمعات والتي تفرض السمو فوق العواطف.. والهبوط إلى أرض الواقع لتحري الدقة.. وتوخي الحقيقة في صياغة الخبر.. والتي أثبتت الأحداث التي مرت بمجتمعنا أنها هي الطريق الأمثل لكسب تأييد العالم.. والفوز بثقته واحترامه، نعود من جديد إلى مديح الأنصار وتأليههم بمنأى عن الحقيقة، فحسبهم أنهم عارضوا النظام العراقي.. وهجاء الأعداء والكفر بهم.. وبمنأى عن الحقيقة أيضاً.. فلا شفاعة لسلبيتهم تجاه ما ألم بنا.
إن صناعة الخبر تعني بكل بساطة نوعاً من التنظيم والدقة في تقصي حقيقة ما يذكر.. حتى يتحقق الهدف من وراء إذاعة الخبر.. والذي قد يكون من أهمه اطلاع الفرد العادي على ما يحدث في أنحاء العالم كافة.. بعد التخلص من الرواسب التي تعيق العبور إلى الخبر الصحيح.. خاصة وأننا نعيش مرحلة وصل فيها التطور التكنولوجي أقصاه في سرعة نقل المعلومة.. وأصبح أي تعارض أو نقص في المادة الإخبارية يفتح المجال لاستنتاجات فردية بملء الفراغات.. يزداد معها ظهور الإشاعة وما يصاحبها من تضليل للناس.
نشرة أخبار ما بعد الغزو.. سواء في الإذاعة أو التلفزيون.. تعطي دليلاً قوياً على ذلك التصنيف الذي انتهجناه.. وأعني به تصنيف الشر المطلق.. مقابل الخير المطلق..
إن الحقيقة في أي زمان.. تبقى هي الحقيقة في أي زمان آخر.. ولكونها حقيقة.. فإن من السهل التخلص من الشوائب التي تعلق بها.
وحقيقة المستوطن الصهيوني وطموحاته التي تتجاوز أفق فلسطين.. إلى الأفق العربي.. حقيقة آمنا بها… وجندنا إعلامنا لفضحها منذ كارثة العرب جميعاً في عام 48.. وأطماع الصهيونية في العالم العربي بأكملها ما زالت كما هي.. وأي اهتمام إعلامي في المرحلة الحالية بقضايا الأرض المحتلة والعالم يخطو نحو فرض السلام في المنطقة، إنما هو اهتمام بقضية محلية إذا ما وضعنا طموحات المستوطن الصهيوني ومشروعاته الاستثمارية والعسكرية بعين الاعتبار.
والنقد يرتكز على الحقيقة.. ويلتزم بأسلوب الطرح الواضح.. والحوار العلمي والأخلاقي.. لتبقى نشرة الأخبار مجالاً لسرد ما هو حادث في هذا العالم سرداً موضوعياً.. بصرف النظر عن درجة الاختلافات.. ومتانة العلاقات.. فقد حان الوقت الآن.. ونحن بعد لا نزال في مرحلة انتقال إلى مستقبل جديد.. مرحلة اختلطت فيها الألوان والأسماء.. وتكدست فيها الحقائق على مفترقات الطرق.. أن تكون الحقيقة هي ما نسمو إليه ونلتزم به.. بعيداً عن أي طرح لحوارات عقيمة نرقص حولها.. ونؤجج نارها دون أن يطالنا دفؤها.
وأخيراً لنعلم أننا لسنا المعيار الوحيد الذي تصنف على أساسه أخلاقيات ومبادئ البشر في هذه الدنيا، فالآخرون أيضاً يشكلون جزءاً من هذا العالم الذي نعيشه.
