نزع الكراهية.. قبل نزع السلاح

نزع الكراهية.. قبل نزع السلاح
جاء تفاعل الشارع المصري.. والصحافة المصرية تجاه أحداث لبنان الأخيرة.. والمجازر المؤسفة التي ارتكبت بحق أهله وأطفاله وشيوخه.. جاء ذلك التفاعل ليؤكد من جديد.. ريادة مصر.. ودورها الذي لا يتغير.. حتى مع مضي ما يزيد على ثمانية عشر عاماً من مفاوضات ومباحثات السلام.. وأحاديثه!!
ولقد كان ذلك واضحاً جلياً.. خلال الحملة الغاضبة التي تبنتها جريدة الحزب العربي الديمقراطي الناصري.. جريدة “العربي الأسبوعي”.. تلك الحملة التي تؤكد وكما أكدت دوماً.. أن حوارات وأحاديث “كامب ديفيد”.. وأوسلو.. ومدريد.. وشرم الشيخ”، وغيرها لم تتجاوز يوماً خانة الدبلوماسية الرسمية.. في قمة الهرم السياسي!!
بل لقد أثبتت حملة جريدة “العربي الأسبوعي” أن قاعدة الرافضين لأسلوب التسوية المرتجل.. لم تتقلص أبداً!! حيث كان التفاعل الجماهيري مع دعوة الجريدة لإحياء المقاطعة.. هائلاً وكبيراً.. في حجمه وفي ردود فعله!! وكالعادة.. انطلقت حناجر الجماهير.. تنشد الهتافات.. بحماس لم ينقطع عن ترديد: “هما يحبو زفة وكوشة.. وإحنا بنحب الكاتيوشا”!! كما التقى قادة الأحزاب تحت شعارات لا تقل حماساً عن حماس الجماهير.. داعية العرب جميعاً إلى أن يقاوموا أو يموتوا..
لقد أكدت أحداث لبنان الأخيرة.. أن الجماهير العربية المائلة لجهة إسرائيل!! وهو أمر يؤكد من جديد.. كما أكد من قبل أن السلام ليس محادثات ومشاورات على المستوى الرسمي وحسب!! بل هو قبول وتقبل على مستوى القاعدة الشعبية الجماهيرية بشكل أساسي!!
لا شك أن التطبيع.. يعتبر نتيجة لمحاولات ومشاورات السلام.. وأي خلل في القاعدة.. أي في مشروع السلام.. لا بد له وأن ينعكس على عملية التطبيع!! وهو أمر لمسناه وشهدناه خلال التباطؤ الشديد نحو خطوات التطبيع بين إسرائيل من جهة والدول العربية من جهة أخرى!! بل وحتى “مصر” والتي شهدت محاولات جادة على المستوى الرسمي.. لخلق تبادل تجاري وثقافي.. وسياحي عجزت أن تجعل من التطبيع أمراً طبيعياً.. وحقيقة قائمة!! فبعد ما يقارب الثمانية عشر عاماً.. لا تزال السرية تحيط بمحاولات البعض للتعاون مع إسرائيل!! فيسافر البعض سراً.. ويطبع البعض الآخر بسرية تامة!!
لا يزال التطبيع.. قضية مؤجلة.. في العلاقة العربية – الإسرائيلية!! ولا يزال الجميع بمن فيهم المتحمسون لمشاورات ومباحثات السلام.. يترددون في مسألة التطبيع!! وستبقى القضية مؤجلة.. إن لم تكن لاغية.. طالما استثمرت العنجهية الإسرائيلية كما هي!!
التطبيع أساساً.. يعني انصهار إسرائيل في المجتمع والواقع العربي.. انصهاراً يدفع إلى تعاون تجاري واقتصادي!! وهو ما لم يحدث أبداً.. ولن يحدث!! فإسرائيل تصر على أن ترتدي الزي الأوروبي.. وتتبنى العقلية الاستعمارية الغربية.. في محاولاتها للاندماج مع الواقع العربي!! بل لقد عجزت إسرائيل أن تحقق ذلك الاندماج حتى في إطار حدودها.. فلا يزال الفصل قائماً بين الفلسطينيين داخل إسرائيل وبين الإسرائيليين!! حيث يجري الحديث دائماً عن كيانين وشعبين.. ومجتمعين مختلفين!!
إسرائيل تدعو إلى التعايش السلمي والتعاون والتبادل الاقتصادي.. مع أقرانها في الشرق الأوسط.. وإلى خلق سوق شرق أوسطية!! في الوقت الذي تعتبر نفسها جزءاً من أوروبا.. لا جزءاً من الشرق الأوسط!! وتمارس دوراً متعالياً.. ومتعجرفاً.. لا يتفق وكونها الطرف الأصغر.. في معادلة الشرق الأوسط!! لم تؤكد أحداث لبنان الأخيرة.. تلك الحقيقة.. حول معوقات واستحالة التطبيع مع إسرائيل.. وحجم الرفض الشعبي الذي تأكد بأنه قد كان متلهفاً للفرصة التي تمكنه من تفجير طاقة الرفض الكامنة بداخله فحسب!! بل لقد أكدت أيضاً مجازر لبنان.. أن دور مصر لا يزال قائماً.. وأن الحاجة العربية لعودة مصر.. قد باتت ملحة!! وبخلاف مظاهر الرفض التي عمت الجماهير المصرية.. وألغت الفواصل والفوارق بين الأحزاب والتجمعات السياسية في مصر.. حيث اتفق الجميع وللمرة الأولى على رفض إسرائيل.. بسلامها.. وتطبيعها!!
فقد رفع (حزب الله) ومعه وسائل الإعلام الأخرى.. صور جمال عبدالناصر.. والأغاني الناصرية.. إلى جانب سلاح (الكاتيوشا).. في ظاهرة تؤكد بقاء واستمرار دور مصر.. والرغبة في انتشالها من مستنقع التسويات.. الذي بدأ في “كامب ديفيد” بنظرية التعايش السلمي مع إسرائيل.. لتستمر نظريات السلام في “أوسلو” و”مدريد”.. دون أن تلوح بأروقة التطبيق الفعلي.. لتنظير أولئك الساسة!!
التطبيع أساساً.. يعني نزع أسلحة الرفض.. والكراهية.. والخوف.. قبل أن يكون نزعاً للسلاح!! وهو بذلك مسألة تخص القاعدة الجماهيرية.. قبل القيادة السياسية.. والتي على ما يبدو قد استحوذت على حقوق النشر والاحتكار.. في كل مشاريع السلام!!
