الأرشيف

“نريد خندقاً يعزلنا عن أخطائنا”

[جريدة الطليعة 12-18/5/1993]

لعلّ من أهم القضايا التي تثيرها الحروب.. هي قضية الأمن.. سواء أمن داخلي أم خارجي.. وأمن الوطن وخاصة في أعقاب غزو النظام العراقي.. أصبح هو القضية الأكثر إلحاحاً سواء من الجانب الرسمي أو الشعبي. ورغم أن الهاجس الأمني كان دوماً قائماً وبشدة ضمن أولويات الحكومات الخليجية بصفة عامة.. إلا أن كارثة غزو النظام العراقي قد أثبتت بشكل فاضح أن أسلوب المعالجة لم يكن كافياً.. وأن دول الخليج قد عجزت عن مواجهة أو كشف أسباب الخطر الأمني الحقيقية.
قضية الأمن الخارجي للوطن تم التعامل معها، وعلى الأقل للعشر سنوات المقبلة، من خلال معاهدات الحماية التي تم التعاقد عليها مع دول كثيرة تملك الإمكانات الكافية لتحقيق الأمن الخارجي، إضافة إلى عامل مهم هنا.. وهو عجز “العراق”، على اعتباره المهدد الوحيد للأمن في المرحلة الحالية، عجزه عن القيام بأي تهديد فعلي للأمن الخارجي.. نتيجة لما أصاب كيانه العسكري والسياسي من تقليص.. ونظراً لكون الأمن الخارجي قضية تم حسمها من جانب الدول التي ساهمت في تحرير الوطن.. فإن المواطن قد أصبح يرى، على ضوء ذلك، أن الكثير من المشاريع الأمنية التي تنادي بها الحكومة.. هي مشاريع إضافية.. فيها إهدار للأموال.. أكثر من كونها أساليب لتحقيق الأمن.
حقيقة أن الكثير من المواطنين قد تفاعلوا إيجاباً مع الدعوة لبناء وإرساء أسس “السور الرابع” لكونه مشروعاً يأتي على المستوى الشعبي.. تسنح الفرصة فيه للمواطن بالتعبير عن مدى حاجته لأمن خارجي.. إلا أن الدعوة.. حين تأتي على المستوى الرسمي.. كدعوة وزير الدفاع لحفر خندق مليء بالألغام ومتاخم لحدودنا الشمالية.. فإنها تأتي كتأكيد على أن التعامل الرسمي مع مفهوم الأمن الخارجي ما زال قاصراً إن لم يكن ساذجاً.
لقد دأبت الإدارة الحكومية.. ومنذ التحرير.. على محاولة الاستئثار بالإنجازات الوطنية.. والتقليل من شأن الجهود الشعبية.. وذلك باحتكار كل الأعمال لصالحها.. بدءاً بمنافستها لقيادات الوطن الصامدة في أول أيام التحرير في مهمة توزيع المواد الغذائية.. وما نتج عن ذلك من تلف لأغلب تلك المواد.. ووصولاً إلى التضخيم الإعلامي والتركيز على إنجاز فئة من الشهداء دون غيرهم.. إلى حد المبالغة والتفرقة في تكريم البعض دون الآخر. وانتهاء بمنافسة الجهود الشعبية الرامية إلى تأمين الحماية للحدود الشمالية من فلول المهربين وباعة المخدرات والسموم.. بالتفكير بإنشاء “سور رابع” بجهود وطنية خالصة.. وذلك بمبادرتها الرامية الآن إلى إقامة خندق يشابه في غرضه مشروع “السور الرابع” الشعبي.
إن هذه ليست محاولة للدفاع عن “السور الرابع”.. بقدر ما هي تأكيد على أن المنافسة الحكومية لا تزال مستمرة تجاه أي مشروع شعبي قد يزيد ويرسخ من الدور الذي يلعبه المواطن في هذا الوطن في سبيل الحفاظ على الأرض.. والقدرات الفائقة التي أبداها المواطنون على اختلافهم.. في إدارتهم لشؤون الوطن إبان فترة الاحتلال البغيض.
مشروع الخندق.. هو مشروع ساذج.. ومفهوم قاصر للأمن الداخلي.. خاصة إذا ما نحن أدركنا.. أن المُخلين بالأمن.. ومرتكبي الجرائم الأمنية لم يخترقوا الحدود الشمالية.. وإنما اخترقوا الثغرات العديدة والمتراكمة في جهاز أمننا الداخلي والمخربون.. سواء من أفراد الشبكة التي ألقي القبض عليها مؤخراً.. أو غيرهم ممن زعزعوا.. ويزعزعون الأمن الداخلي.. لم يتسللوا جميعاً عبر حدودنا الشمالية.. وإنما أفرزتهم التناقضات الاجتماعية والسياسية والإدارية في الوطن.. وهم نتاج طبيعي للتخبط الذي واكب سياستنا الإسكانية.. وسياسة التجنيس بوجه خاص.
إن الأمن.. سواء كان خارجياً أم داخلياً.. هو وحدة متكاملة لا يمكن تجزئتها.. ولن تجدي الاستعانة باتفاقيات مع دول تملك الاستعدادات والجيوش لمواجهة أي طارئ يُخل بالأمن.. ما لم نضمن أولاً أمناً داخلياً.. ولا أتصور أن أحداً قط قد استشعر هذا الأمن ومنذ التحرير.. فالجرائم على اختلافها.. أصبحت أكثر ما يميّز مرحلة ما بعد التحرير.. بل وأدوات الجرائم وحيثياتها تدل على أن بداخلنا كمجتمع يكمن كمّ هائل من القلق والخوف والاضطراب.. أضف إلى ذلك أن من أهم معوقات الأمن الداخلي الحقيقية.. أن الوطن قد ألقى بمهمة الأمن تلك إلى فئات هي من أكثر الفئات استهتاراً وانتهاكاً لأمنه.. فشكوى المواطن لا تنقطع من تجاوزات. جهاز الشرطة.. سواء في القضايا المرورية.. أو في القضايا الأخلاقية.. والجيش.. وجهاز حماية الحدود يتم اختراقه من قبل إرهابيين لم يجدوا صعوبة تُذكر في تأمين تمرير إرهابهم من تحت أعين القائمين على حماية الأمن.. وتلك مسألة لم تأت مفاجئة.. بل كانت متوقعة.. خاصة بعد أن أُعيد بناء الجيش في ظل الأخطاء ذاتها.. والتي تم التحذير منها مراراً.. ومع ذلك فقد تم تجاهلها.. والتغاضي عن محاولة إيجاد الحلول لمسألة.. كمسألة “البدون”.. بل وأعيد بناء الجيش على أساس تلك الفئة.. التي وإن كانت جزءاً هاماً وأساسياً في الجيش.. إلا أنها ليست أبداً جزءاً من المجتمع.. ولا من الوطن. وقد لا تكون هناك غرابة تُذكر في أمر كهذا.. خاصة إذا ما نحن أدركنا أن طبيعة المهمة التي يقوم بها الجيش لم تعد للدفاع عن الوطن.. بقدر ما هي دفاع وحماية لكيانات فردية.. والحفاظ على وجودها.. والدليل الصارخ على ذلك أن التباطؤ والمماطلة في وضع نهاية لهذه الحالة الشاذة لفئة “البدون”.. وإيجاد مخرج لها.. ذلك التباطؤ يتم بمباركة جهات وفئات رسمية تعمل جاهدة على خلق مبرراتها في الإبقاء على فئة مسخرة.. يسهل اقتيادها والتحكم فيها.. لأغراض هي أبعد ما تكون دفاعاً عن الوطن.
في ظل ظروف كهذه.. لا نكون بحاجة إلى خندق يمتلئ بالمفرقعات والألغام التي سرعان ما يبطلها سقوط الأمطار.. وتراكم الأتربة.. وإنما نحن بحاجة إلى خندق نُلقي بجوفه كل القوانين الخاطئة التي تجعل من راع للأمن يقايض الأرض بأوراق هوية.. وحام للوطن.. يرعى أمن الوطن الداخلي.. وهو خارج إطار الوطن!!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى