
لن أقول إن الفرح الذي سرق من عيون أطفالنا قد عاد.. ولن أقول إن صباحنا الذي كان غابة من الدخان.. قد عاد صباحاً أزرق.. ولن أقول إن ليلنا المظلم قد عاد ليلاً مقمراً..
بل أقول لقد عادت الثقة إلينا جميعاً.. يوم امتدت السواعد السمراء لأبناء هذا الوطن تصارع اللهب.. فأعادت معها إحساساً جميلاً بالزهو وشعوراً مريحاً بالثقة ونحن قادرون على أن نكون بحجم الحدث.
فمع ذلك الصباح الذي تدافعت فيه الأيادي السمراء لترتفع فوق جراحها وتقتل نار الحقد.. ولتسقط معها أكذوبة أن الفرد الكويتي قد وُجد ليستهلك ما أنتجته أيادي الغير.. دون أن يساهم في ذلك الإنتاج.
لقد تحدثنا كثيراً وأقمنا الندوات.. وأعددنا البحوث والدراسات.. في محاولتنا لبناء الإنسان الكويتي المنتج.. حتى كانت الكارثة.. فخلقت من ذلك الفرد.. ما عجزت عنه كل الأبحاث والتجارب في هذا الوطن. وأصبح كل ما في الوطن صناعة محلية.. بدءاً بالخدمات وأعمال الصيانة.. ووصولاً إلى إدارة شؤون الوطن وتنظيمها.. فكان الخبز محلياً.. وإزالة القمامة بأيد محلية.. وصناعة القرار محلية. واتضح بذلك كله أن الخلل ليس في الفرد الكويتي.. وإنما مبعث الخلل يكمن أساساً في الكثير من الخصائص السلوكية للاقتصاد في هذا الوطن.. والتي تقوم على أساس التوسع في خلق مجتمع استهلاكي دون أن يكون ذلك مرتبطاً بفلسفة تنموية تعمل على تطوير العملية الإنتاجية..
فأسواقنا كانت دائماً ملأى بكل ما تفتقت عنه عقول البشر من مواد استهلاكية وبضائع كمالية.. وفتحنا قطاع الخدمات على مصراعيه لنتلقى ذلك الكم الهائل من العمالة الوافدة.. حتى أصبحنا شعباً وأفراداً في خدمة الإنتاج والمنتجات بديلاً عن أن نكون العكس.
إن أول خطواتنا نحو خلق قاعدة لمجتمع منتج تكون بخلق قوانين ومؤسسات تعمل على الاستفادة القصوى من الإنتاج المحلي.. ومحاولة تطويره وتحسينه.. وإفساح المجال للصناعات المحلية.. وتحسين كفاءة العاملين الكويتيين في مختلف قطاعات العمل.. بحيث تصبح كل عمليات الإنتاج في هذا الوطن خاضعة لتلك القوانين دون استثناء.. والتشدد بمعاقبة أي محاولة لخرق تلك القوانين أو القفز عنها.
وقد يعيننا في ذلك إدراكنا أن الاستهلاك ليس فطرة يصعب التغلب عليها.. وإنما هي حاجة تخلقها أنظمة اقتصادية مصلحتها العمل على خلق احتياجات استهلاكية غير حقيقية بغية تصريف بضائعها.
وحتى نسلك المسار الصحيح نحو خلق مجتمع منتج.. يجب أولاً أن تكون العلاقة بين الجهد المبذول مع العائد أو الأجر منطقية.. فعدم توازن العلاقة كان دائماً وراء ترك الكثير من قوة العمل المتمثلة بالمهنيين كالأطباء والمهندسين مواقع عملهم.. والاتجاه نحو مواقع أخرى يكون فيها عائد أكبر مقابل جهد أقل.. فالأسلوب الذي يحكم اقتصادنا.. وما يتبعه من جنوح نحو التفكير بأقصر الطرق للربح السريع.. أثر سلباً على قوة العمل والتي هي من أهم عوامل الإنتاج.. بأن أصبحت تتجه مع التيار الذي يدر عائداً أكبر.
فعدم توازن تلك العلاقة.. وأعني علاقة المبذول بالعائد أو الأجر.. إن لم يكن انتفاؤها تماماً.. أدى إلى اختلال الموازين.. لنجد أن محادثة شخصية تدر عائداً وربحاً خيالياً.. مقارنة بعائد يوم عمل كامل لطبيب أومهندس. وقد يخالفني البعض ذلك.. وبأن العائد الأكبر هو خدمة الوطن أولاً وأخيراً.. وهو تفكير مثالي لا ينتمي إلى أرض الواقع.. فالوطن حين ناشد أبناءه في مدة الغزو البغيض.. لم يتوان أحد عن تلبية النداء.. فكان العائد للجميع.. حفظ الوطن وخدمته.. فحمل الطبيب أكياس القمامة.. واحترقت أكف المهندس وهو يصنع الخبز لأبناء الوطن.. وأصبح الجميع كلهم جهد مبذول يقابله عائد واحد للجميع ممثلاً في وطن الجميع. إلا أن الواقع عالم.. والمثالية -وبالرغم من سموها- عالم آخر..
فالحياة لها متطلباتها.. والأسس التي تقوم عليها كل المجتمعات منذ الأزل تعمل على تنظيم تلك العملية الإنتاجية.. وسن القوانين التي تحكمها.. والعلاقة التي تربط بين الأفراد المنتجين.. إذاً فهي قوانين كانت منذ الخليقة.. تطورت وتغيرت مع تطور المجتمعات وتغيرها.. فالعبرة من وراء تنظيم قوانين الإنتاج، وتحديد العلاقة بين الجهد والعائد هي لتوفير المناخ الملائم للإنتاج المثمر.. حتى تتوفر الحياة المناسبة والعمل المناسب لكل مواطن.. وتتحقق طموحاته من خلال جهده المبذول.
وقد يكون للمفاهيم الاجتماعية، التي يتبناها هذا المجتمع أثر كبير في إعاقة خلق الفرد الكويتي المنتج.. فما زالت عقدة الإنسان المتفوق أكاديمياً تحكمنا.. وما زال التعليم الجامعي الأكاديمي أساساً للوجاهة الاجتماعية.. وما زال العمل الحر يُحظى بنظرة دونية.. وهي في مجملها أمور تجاذبتها وتفردت بالحكم عليها عوامل اجتماعية بحتة.. إلى جانب أن معايير ومقاييس المردود الاقتصادي أصبح الوصول إليه متعذراً إلا عن طريق التعليم الأكاديمي الجامعي. كل تلك المقاييس.. والمواصفات البالية.. التي لم نحاول تغييرها.. عرقلت المحاولات لخلق المواطن المنتج.. وأصبح غالبية المجتمع من الموظفين الذين تحكمهم الوظيفة الحكومية.. بقوانينها المفرغة من أي إبداع أو خلق..
حتى عروضنا الوحيدة في تصريف طوابير خريجي الثانوية.. لم تخضع لدراسة كافية ترمي إلى خلق أفراد منتجين.. بإتاحة الفرصة أمامهم للإبداع في مجالات أخرى غير المجال الأكاديمي.. وكان كل ما حدث أن غصَّت المعاهد التطبيقية بالدارسين الذين سرعان ما اصطدموا بحقيقة الأوضاع في مجتمعهم.. حين سُدَّت الأبواب أمامهم.. وتعرقلت محاولاتهم الإبداعية تحت ذات القوانين البالية.. والمفاهيم الاجتماعية المتعجرفة.. لتعيقهم عن امتهان ما تعلموه.. ولينتهي بهم المطاف بالجلوس إلى مكتب في إحدى إدارات الدولة!!
فبدلاً من أن نلعن ظلام الاستهلاك.. لنوقد شمعة الإنتاج.. بإخضاع الأفراد في هذا المجتمع لبرامج تدريب تبدأ في مراحل تعليمية متقدمة بقصد تصنيف القدرات الفردية المختلفة وإخضاعها للمزيد من التدريب المتخصص الرامي إلى إبراز تلك القدرات وتطويرها في الطريق الصحيح ولنلتزم العدل في توزيع العمل.. حتى يحاسب المخل.. ويكافأ المنتج.
فلولا الثواب والعقاب.. ما خُشعت القلوب في الصلاة!!
