
على الرغم من كل النقد الذي تتلقاه الكويت دولة ونظاماً، وشعباً، وسياسة، لكنها تبقى متميزة، ليس في محيط جيرانها وحسب، وإنما على النطاق الإقليمي العربي بشكل أوسع!
ما يميز الكويت، ليس معمارها، ولا أسواقها، ولا نظامها التعليمي وجامعاتها! كل ذلك تفوقت فيه دول أخرى مجاورة قطعت أشواطاً طويلة في تلك المجالات! ومع ذلك يبقى للكويت عبقها ونكهتها التي لا ينكرها حتى أشد المتعصبين ضد الكويت!
ما يميز الكويت هو نهضتها الديمقراطية، وحين أقول الديمقراطية، فأنا لا أعني مجلس الأمة وحسب! بل لعله – أي المجلس – يأتي في سياق مكاسب كثيرة حققتها الكويت قد لا نبالغ إن اعتبرناها في أهمية مجلس الأمة!
ديمقراطية الكويت ليست وليدة مجلس الستينيات وإنما هي أبعد بكثير، زرعها النضال الكويتي لإقرار الحقوق المدنية منذ عشرينيات القرن السابق، وسقط في ذلك النضال ضحايا، لايزال الكويتيون يتذكرونهم ويؤرخونهم.
الديمقراطية الكويتية هي التي خلقت مجلس الأمة، تماماً كما خلقت الحركة الفنية الرائدة في الخليج والتي انطلقت من الكويت ولاتزال آثارها بادية في الأعمال الفنية الخليجية، وفي الفضائيات التي يسيطر عليها طاقم من الكويتيين المبدعين! الديمقراطية الكويتية هي التي رسخت التعليم في الكويت ممتدة به إلى خارج الحدود، ليشمل دول المنطقة! الديمقراطية الكويتية هي التي أمنت العلاج للمواطنين، واحتضنت غيرهم من دول الجوار حيث كان العلاج نادراً فيها!
مجلس الأمة إذاً هو نتاج للعملية الديمقراطية التي زرعها الأولون لنجني ثمارها، ومجلس الأمة شأنه في ذلك شأن أي نتاج للديمقراطية، نتحمل نحن كمواطنين مسؤولية تقويمه ويؤرقنا تدهوره، تماماً مثلما يؤرقنا ويشغلنا تدهور التعليم، أو تراجع الحركة المسرحية، أو تدني المستوى العلاجي!
وليس من قبيل المصادفة إطلاقاً، أن الأسباب التي دهورت التعليم والصحة والمسرح، هي نفسها الأسباب التي تتكالب الآن لتهميش معلم آخر من معالم الديمقراطية هو مجلس الأمة!
فلقد تدهور التعليم بسبب الفساد الذي جعل المعلم بمنأى عن الرقابة بسبب الواسطة واتباعها، والمنهج الدراسي سلعة يتكسب منها البعض، والمدارس وإعدادها بضاعة بأيدي من لا يحكمه ضمير!
وكذلك كانت حال الصحة، حين تدخل الفساد والمحسوبية في شروط العلاج والدواء، فضاعت ملايين الملايين في غير مستحقيها، وهرب طاقم الأطباء من سطوة المتلاعبين بالقرارات والقوانين!
ولا داعي لأن أذكر تأثير أدوات الفساد وأربابه على الفن والرياضة، بل وحتى جوائز مؤسسات الدولة!
اليوم تستعد مؤسسة الفساد لمعركتها الحاسمة، تهميش دور مجلس الأمة وتقويضه بصورة تجعله أكثر مرونة وفقاً لرؤيتها!
ونحن كمواطنين، لا ننكر أنها ليست معركة حاسمة وحسب، وإنما شرسة، فمؤسسة الفساد نمت وكبرت، وأصبحت أبواقها بفعل التكنولوجيا أكثر صراخاً وعويلاً! لكن ذلك لن يحقق نصراً لمؤسسة الفساد، فنظريات الحروب تقول إن الشراسة والعتاد لا يمكن أن يؤمنا وحدهما النصر، ما لم يكن هنالك حق واضح، ونحن كمواطنين وإن لم نملك فضائيات أو صحفاً، أصحاب حق في الذود عن ديمقراطيتنا، لذلك فإن النصر لنا باذن الله!
