الأرشيف

“نجود.. والضابط”

[جريدة الطليعة 8/11/1995]

نجود بودي فنانة.. ومبدعة!! لا يغير من تلك الحقيقة اتفاقنا على إنتاجها الإبداعي أم لا!! فعلى الرغم من أن عروضها الشائقة.. ولمساتها الفنية.. وشخصيتها المبدعة.. قد كانت حديث الكثيرين في الآونة الأخيرة!! غير أن نجود قد ساهمت من حيث تدري أو لا تدري في إثارة مباشرة لقضية حرجة وشائكة.. هي في صميم شؤوننا الحياتية اليومية.. سياسية كانت أم اجتماعية أم غير ذلك!! قضية العلاقة المباشرة بين الحرية والإبداع.. الحرية والديمقراطية.. الحرية والحقوق البشرية.. الحرية والهوية.. والحرية والأمن!! هي قضية شائكة.. ليس في الإقرار والإيمان بها.. وإنما في ترتيب أولوياتها!! حين يأتي الحديث عن الحرية.. فإن الجميع يبادر متشدقاً بنسماتها.. وبضروريتها!! بمن فيهم أولئك الذين هاجموا “نجود بودي” سواء كان هجومهم نقداً بناء.. أو هجوماً وتجريحاً كالذي تعرضت له هذه الشابة في أحد المجمعات التجارية!! حيث اعتبر ذلك الضابط المهاجم.. نفسه حراً في أن يقول هجوماً “رأيه” في إبداع نجود!!
أصعب ما في الحرية.. ليس الحصول عليها.. ولا ممارستها.. ولا المطالبة بها!! فتلك أمور وإن كانت لا تخلو من مصاعب.. غير أنها تبقى واضحة ومحددة.. ومحسومة!! أصعب ما في الحرية.. هو ما يتعلق بتحديد إطارها.. ورسم تضاريس اجتماعية وأخلاقية لحدودها المبهمة!! وتلك قضية شائكة ليس في مجتمعنا فحسب!! بل في أغلب المجتمعات البشرية!! فالتسامح الذي ينطوي على احترام وتقديس حرية الآخر.. كان ولا يزال أكثر القضايا جدلاً وبحثاً!!
لقد استطاعت المجتمعات الحرة.. أن تتحرر من جدلية تلك القضية.. بأن حددت أسساً عقلانية للحرية.. وعلى ضوئها أصبحت الحرية محددة فقط انطلاقاً من معايير حقوق الآخرين.. واحترام رغباتهم ورؤاهم!! فالفرد في أي مجتمع كان لن يستطيع أن يحقق احتراماً لذاته.. إلا إذا ما رأى نفسه موضع احترام من قبل الآخرين!!
لا نريد أن ندخل كثيراً في جدلية فلسفية حول حقوق الفرد المجتمعية!! على الرغم من حاجتنا أحياناً لذلك المدخل الفلسفي الذي أصبح ملجأ الكثير ممن يعانون من كبت التعبير والرأي!! ونريد أن نبقى أكثر مع الحدث الذي أثار حديث الحرية هذا!! لنبحث عن منفذ واحد تكون حرية “نجود” قد تسللت منه.. لتجتاح وتربك حرية الضابط المعارض لإبداعها.. ولنبدأ من مدخل اعتبره هو حقاً له.. فشرعاً.. هنالك قوانين إلهية وتشريعات سماوية للعقاب والحساب.. ليس من شأن أحد أن يكون قائماً عليها!! أما اجتماعياً.. فلا الحدث.. ولا شخوصه قد أربكوا المجتمع.. ولا أطاحوا بقيم وأخلاق قائمة!! وفنياً.. ليست هي المرة الأولى التي يتم فيها عرض للأزياء.. بل هنالك عروض كثيرة وإن كان الفارق الوحيد هنا أن مبدعة العرض كويتية!! يبقى إذن أن يصبح احتجاج الضابط دليلاً على إيماننا المحدود.. وفهمنا الخاطئ للحرية!! فتتشعب بذلك قضية “نجود” والضابط.. لتصبح قضية عامة تطولنا جميعاً!! فالحرية ليست ترفاً.. ولا رفاهية يتمتع بها المجتمع متى شاء أن يكون في منظومة المجتمعات المتطورة علمياً وإنتاجياً وثقافياً!! ويحجز عليها متى تعارضت مع مصالح شخصية.. ورؤى ومعتقدات فردية!! ويتبناها المصلح خطاً ونهجاً حضارياً لبناء مجتمع واعٍ وحضاري.. وينكرها الجميع حين يأتي دور الآخرين فيها!! لقد آن الأوان لنا جميعاً.. أن نتخذ موقفاً جاداً وواضحاً تجاه الحرية بوجه عام!! وتحديد أولوياتها بشكل خاص!! وليكون الفيصل فيما نراه ونقره من حدود.. تجارب المجتمعات والشعوب الأخرى!! خاصة أن تلك قضية أصبحت لا تحتمل تأجيلاً أكثر.. بعد أن تسارعت خطى التغيير والتطور بسبب الوفرة التكنولوجية بشكل أصبحنا معه مجتمعات بدائية معزولة!!
سيقفز البعض هنا.. ليقول إن التطور لا يكون من خلال عرض للأزياء!! أو إباحة لعادات دخيلة لن تؤدي بنا إلى ثقافة أو حضارة أفضل!! متحججين في ذلك بالمنطق ذاته.. الذي يبرر لهم تنصيب أنفسهم قوامين على تقييم الأداء الإبداعي.. ونتاجات الحرية!! وبالفعل فقد لا يكون التطور والتحديث عرضاً للأزياء.. أو مسرحية.. أو قصيدة أو فناً!! غير أن القضية هنا ليست في تقييم عمل المصممة الكويتية الشابة.. وإنما في حقها في ممارسة ذلك العمل!! أو بمعنى آخر حقها في حرية الممارسة لأي نشاط كان!! فعرض “نجود”.. هو حق مارسته.. يكفله لها المنطق والعقل والحكمة.. قبل القانون والتشريع والدستور!! كما للضابط حقه في أن يرى ما يرى!! وفيما بين الحقين.. يبرز التسامح كأداة عصرية.. حكيمة للفصل بين الرؤى المختلفة في المجتمع الواحد!! والتسامح أساس الحرية.. والتي هي أساس لكل الإبداعات والنشاطات البشرية!! فالمقيد لا يستطيع أن يكتب حرفاً.. والسجين لن يستطيع أن يعبر أو يصف جمال الطبيعة ورونقها!! والحرية حق.. أصعب ما فيه إدراك أن للآخرين نصيبهم كذلك!!
الحرية.. كما قالها أحد الحكماء.. عدل.. وأبسط مبادئ العدل أن تقول إذا سمعت.. وأن تسمع حين يقال!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى