غير مصنف

“نائب الخدمات” وغياب القوانين والمؤسسات

[جريدة القبس 20/5/1996]

مع قدوم موسم الانتخابات واشتعال جذوة الصراع بين المتنافسين على خوض المعركة الانتخابية المقبلة، يبدأ الجميع في طرح تصوراتهم حول المرشح الأفضل.. والنائب الأكثر فائدة.
فعلى الرغم من خيبة الأمل التي أبداها الكثير من المواطنين تجاه إنجازات المجلس الحالي، إلا أن ذلك لم يمنع من مساهمة المواطن في تقييم عطاء النواب في المجلس وطرح آرائه الخاصة في نواب الشعب.
ومع أن الكثيرين قد أبدوا استياءهم لنتائج بعض الاستبيانات التي أجريت مؤخراً والتي توجز مقومات النائب الأفضل لدى شرائح الاستبيان من المواطنين – نقول على الرغم من استياء الكثيرين لتقدم نائب الخدمات وحصوله على التقييم الأفضل.. والمرتبة الأولى في تلك الاستبيانات!! إلا أن ذلك لم يمنع من استمرار نائب الخدمات في تصدر قائمة الأفضل، والأكثر قبولاً لدى شريحة كبرى من المواطنين.
قد تكون الحظوة التي يتمتع بها نائب الخدمات لدى جموع كثيرة من الناس، دليلاً راسخاً على قلة وعي المواطن لدور النائب ومسؤولياته تجاه القضايا والهموم التي تعرقل خطوات المجتمع نحو مستقبل أفضل!
قد تكون حظوة نائب الخدمات دليلاً على ندرة الوعي تلك، إلا أنها أيضاً تشكل خللاً في بناء الدولة، وفي فاعلية مؤسساتها العاملة.. وفي جدوى قوانينها ونظمها. وهو أمر يُعد بمثابة إشكالية خطيرة في بناء الدولة الديمقراطي والمؤسساتي.. وبصورة تؤكد أن التعدديات القبلية والعشائرية لا تزال سائدة، ولم تنصهر بعد في كيان بناء الدولة الحديث!
وتلك مسألة طالما طرحت تساؤلاً حرجاً حول الأولويات.. بمعنى هل تأتي الديمقراطية والحرية أولاً أم يأتي بناء الدولة في المرتبة الأولى؟ أي هل يتاح للنظام البرلماني – النيابي أن يكون فاعلاً مع غياب الجدية في تطبيق القوانين والالتزام بنظم وقواعد فاعلة وسارية؟
لا شك أن نواب الخدمات هؤلاء ما كان لهم أن ينشطوا لو أن قوانين الدولة وبناءها المؤسساتي كانت صارمة وفاعلة.. ولو أن اختراق القوانين كان الشذوذ لا القاعدة! ولو أن للقوانين هيبتها وفاعليتها للجميع دون استثناء شريحة أو فئة من تطبيقاتها.
فالمواطن ومهما بلغت درجة مواطنته ونزاهته، هو لا شك بشر، سيجد نفسه في نهاية المطاف خاضعاً لتقييم الفائدة المرتجاة، وسيتذكر من النائب “استثناء” حصل عليه من قانون، أو ترخيصاً بصفة الاستعجال بسبب جهود نائبه.. أو غير ذلك من تسهيلات!
سيتذكر المواطن ذلك، أكثر بكثير مما يتذكر موقفاً وطنياً – أو عرضاً بلاغياً – لنائبه!
والعاملون في أروقة مجلس الأمة لا شك أنهم يدركون ذلك جيداً.. من خلال ما يشهدونه من حركة النحل النشطة في مكاتب نواب الخدمات، والتي عادة ما تستعين بأربعة من السكرتارية على الأقل للإشراف على شؤون المواطنين.. ولمتابعة وملاحقة معاملاتهم في مؤسسات الدولة المختلفة.. ولإعفائهم من روتين ونظام تلك المؤسسات.
حتى لقد بات من المؤكد أن يتزايد عدد نواب الخدمات في المجلس المقبل، بعد خيبة الأمل الواسعة والتي أصابت المواطن وطعنته في طموحه بسبب إخفاقات المجلس الحالي، وعجزه عن الاستمرار والتواصل في طرحه لقضايا كثيرة ما زالت عالقة!
نائب الخدمات واقع مؤسف.. غير أنه واقع موجود، وسيبقى هذا الواقع حاضراً طالما بقي القانون عاصياً على التطبيق والنفاذ. وهو أن دلَّ على شيء فإنما يدل على تراجع سخيف في طموحات المواطن، وتدهور مؤسف في مسارنا ونهجنا الديمقراطي، وخلل متجذر في كياننا كدولة.. وفي تكويننا كمجتمع وذلك جميعها أمور بات علينا أن نحاصرها بمزيد من الجدية في بناء المؤسسات، واحترام القوانين والانضباط في مؤسسة الدولة.. لا القبيلة أو العائلة!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى