
كتب أخي العزيز “فيصل المعجل” مقالين في القبس تناول فيهما سبب الإخفاقات التي نعاني منها عند كل محاولة لمشروع إصلاح أو تعاون أو مصالحة. المقال الأول كان بعنوان “المعالجة والاحتواء” والثاني جاء لمناسبة العفو.. فكان العنوان “العفو.. قرار سياسي أم مشروع وطني”.. جاءت الحبكة في كلا المقالين لتتناول الخلل في التعامل مع كل المشاريع الإصلاحية والتي تخفق غالباً، لأنها تتعامل مع الأعراض ولا تغوص في الأسباب.. فتبقى متأرجحة دائماً وقابلة للبروز عند كل مأزق سياسي.
قرار العفو الأخير عن المُدانين في قضايا مختلفة.. يأتي كخطوة أولى في طريق الألف خطوة.. فالمصالحة -أي مصالحة – سواء كانت بين أطراف وتيارات سياسية أو بين دول وأنظمة قائمة، تبقى عُرضة لانتكاسات مُتَوَقّعة.. وهو أمر شائع جداً في عالمنا العربي.. الذي دائماً ما يَشهَد نزاعات وصراعات تَتَخلّلها محاولات مُصالحة ورأب صَدع.. سرعان ما تعود إلى هيئتها الأولى أو ربما إلى وضع أصعب وأكثر تأزماً، مما يطرح السؤال التقليدي الدائم: لماذا يفشل العرب دائماً في مشاريعهم التصالحية؟ ولماذا تبقى نتائج كل محاولات الصّلح ورأب الصدع طويلة الأمد أو قد لا تأتي أبداً؟
هنالك نموذجان للإدارة السياسية في العالم العربي.. نموذج الدولة الرّعوية.. ونموذج الدولة السلطوية.. الأول يقوم على خَلْق مواطن مدعوم استهلاكياً.. مقابل مشاركة ضئيلة أو حتى من دون مشاركة.. يتمتّع بكل الخدمات الاجتماعية والصحية والتعليمية دون أدنى مساهمة.. أما النموذج الثاني فتحكمه الآلة البوليسية القمعية، التي تُمارس شرعيتها السياسية من خلال أجهزة استخباراتية وعنيفة.. وكلا النموذجين بلا شك لا يخلق مواطناً بل موالياً بشكل أو بآخر.
للأسف إن المواطن العربي لا يزال حائراً في تعريف نفسه وتحديد موقعه.. وعمّا إذا كان من المواطنين أم من الرعايا.. فوفقاً لأرسطو يأتي تعريف المواطن باعتباره الإنسان الحر غير العبد المسلوبة إرادته.. الإنسان المُستَقل في قراراته بشأن مشاركته في الحياة السياسية.. أي يختار من يُمثّله بِمَحْض مشيئته الفردية.. والرعية في المقابل هم من تكون حريتهم مرتبطة بمشيئة الآخرين.. مع الأخذ في الاعتبار أن تعريف “الآخرين” هنا يشمَل رب الأسرة وشيخ القبيلة والإمبراطور أو من يترأّس النظام السياسي.
نحن قطعاً لا نزال بعيدين جداً عن مثل هذا التعريف الدقيق.. لكن – والحديث هنا يتعلّق بالكويت بالتحديد – بحاجة ماسّة.. خاصة في ظل الحديث اليوم عن المصالحة الوطنية والعفو.. وفتح صفحات جديدة لِمُمَارَسَة سياسية تخدم البلد وأهله.. أقول نحن بحاجة إلى إعادة بناء مفهوم المواطَنَة بشكل جاد.. المواطَنَة بمعناها الشامل الذي يقوم على أساس العلاقة التبادلية بين الفرد ووطنه.. وهي علاقة ليست جامدة.. وإنما قابِلة للتّحوّل والتغيّر وفقاً للظروف.. أساسها احترام حقوق جميع أفراد المجتمع.. بشكل يخلق معه مواطناً مشاركاً ومساهماً ومسؤولاً.. يساعد في بناء الدولة، لأن منها يبدأ وبها ينتهي.. ولعلنا قد لَمسنا شيئاً من مثل هذه العلاقة التفاعُليّة إبان الغزو حين كان المواطن مسؤولاً ومساهماً طوعاً في الذود عن أرضه وبلده وموطنه.
لقد كان من الضروري أن تَشْهَد الكويت مشروعاً مُستَحقاً يهدف للعفو عن مدانين.. أكبر خطاياهم كانت في حُبهم لأرضهم وبلدهم.. قد تكون أدواتهم اختلفت.. لكن في النهاية يبقى الهدف موحّداً.. وقد يكون البعض قد اختلف معهم في نَهجِهم وأسلوبهم في التعبير عن ذلك الحب.. لكن يبقى أن الأغلبية قد اتفقت على مشروعية مطالبهم.
لقد خَطَت الكويت وعبْر أكثر من مئة عام خطوات سديدة نحو بناء مجتمع يَستَظِل تحت واحته مواطنون لا رعايا.. استطاعوا أن يحقّقوا مجموعة من الحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية.. كان فيها القانون وحده، وليس العنف ولا الخوف ولا الترهيب، هو الإطار الذي حكَمَ تلك العلاقة القائمة بين الفرد من جهة والدولة من جهة أخرى.
لذلك يَنظر أهل الكويت اليوم إلى الخطوات المُستَحَقّة فيما بعد قانون العفو.. والتي يأتي على رأسها حِفظ الحقوق والحريات والآراء السياسية في مقابل تحفيز المواطنين على المساهمة وتقديم التزاماتهم وواجباتهم تجاه الدولة.. وما يتبع ذلك من تحمّلهم لمسؤولية التشريع والمشاركة في شؤون وطنهم.
