شئون عربية

موائد الحوار

موائد الحوار

في عام 1975، وبهدف إخماد الصراع المسلح للأكراد، الذي كانت تدعمه إيران “الشاه” آنذاك، قام العراق بتوقيع اتفاقية الجزائر مع إيران، وجرى الاتفاق على نقطة خط “القعر” كحدود بين الدولتين، لكن صدام حسين ألغى هذه الاتفاقية عام 1980 بعد سقوط حكم الشاه ووصول الخميني إلى الحكم. وقد كان من أبرز تداعيات إلغاء تلك الاتفاقية، حرب الخليج الأولى بين إيران والعراق، التي كلفت المنطقة ما كلفته من ضحايا وأموال ودمار في البيئة وفي النفس البشرية.
إعلان رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري استقالته من منصبه من العاصمة السعودية الرياض، وهجومه على إيران وحزب الله بالتحديد، قد يحملان دلالات كثيرة بخلاف عنصر الاستقالة فقط، ولا أقول هنا إنها تشبه تمزيق صدام حسين لاتفاقية الجزائر، وإنما هي – أي الاستقالة – لها رمزيتها التي قد تكون استوعبتها كل الأطراف المتصارعة في المنطقة.
في تغريدة لرئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط عبر صفحته على “تويتر”، أشار إلى ما يرى أنه الحل الوحيد لكل ما تمر به المنطقة من حروب وأزمات، فبالنسبة إلى جنبلاط هو يقول وبصراحة “إن لبنان أكثر من صغير وضعيف كي يتحمل الأعباء الاقتصادية والسياسية لهذه الاستقالة. كنت وسأبقى من دعاة الحوار بين السعودية وإيران» (انتهت التغريدة).
تغريدة جنبلاط هذه تختزل الطريق إلى مفتاح الخلاص من أزمات المنطقة، فمن دون حوار بين اللاعبين الأساسيين فيها ستبقى الأمور متأرجحة بين التوتر والحروب، وبين مستقبل مظلم انهارت فيه قوى إقليمية بارزة كسوريا والعراق واليمن وتقطعت أوصال ليبيا وغرقت مصر والسودان والأردن في الديون والأزمات الاقتصادية وانشرخ البيت الخليجي بشكل مخيف، وبين مستقبل يضع حداً لحالة الانهيارات هذه ويضع سيناريوهات أفضل لهذه المنطقة الملتهبة.
نحن في الشرق الأوسط أمام خيارين لا ثالث لهما: إما شرق أوسط قائم على سياسات إصلاحية اندماجية ونماذج من الديمقراطيات المكتملة أو حتى التوافقية، ومؤسسات مدنية واقتصادات مشتركة وتبادل فكري وتجاري واقتصادي وثقافي مثمر قائم على عنصر المنافسة الحرة والشفافة، أو شرق أوسط طائفي تسوده الانقسامات والنزاعات والحروب والتفتت واستنزاف الثروات في غير مكانها.
لا نريد أن نكون متشائمين فنقول إن تعقيدات المشهد الشرق أوسطي الراهن ترجح كفة الخيار الثاني، أي الشرق الأوسط الطائفي، فلا يزال الأمل معقوداً على موائد حوار وليس مائدة واحدة فحسب، تجمع كل الأطراف الإقليمية المتنافرة والمتصارعة لوضع صيغة عقلانية تنقذ ما يمكن إنقاذه من الشرق الأوسط.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى