قضايا الوطن

مهرجان القرين بداية لا نهاية

مهرجان القرين بداية لا نهاية

كرمت الدولة مؤخراً من خلال المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، اثنين من مواطنيها المبدعين، هما المخرج السينمائي عبدالمحسن حيات، وذلك عن فيلمه الوثائقي الرائع “حراً كان وسيبقى”، والذي لخص من خلاله المخرج “حيات” نزعة الحرية لدى المواطن الكويتي بشكل عام، وكذلك جاء نصيب الفنان سامي محمد والذي كرمت الدولة عمله الإبداعي “رباعية الرعب”.
وإذا كان التكريم هنا حقاً من حقوق المبدعين بشكل عام، وواجباً على الدولة تجاه كل العقول والمواهب الإبداعية، فإن السؤال الذي يبقى دائماً هو حول مستقبل ذلك الإبداع، وعما إذا كان لدى الدولة بمؤسساتها وهيئاتها برامج أو خطط تهدف إلى استثمار قدرات أولئك المبدعين أو احتضان مواهبهم والاهتمام بها وتسخيرها لما فيه صالحهم وصالح المجتمع بشكل عام؟
ولقد تزامن تكريم الدولة لعبدالمحسن حيات وسامي محمد مع تكريم آخر لأحد أبناء هذا الوطن من قبل الأكاديمية البولندية والعالمية للعلوم الطبية التي منحت الدكتور حسين دشتي جائزة ألبرت شوايتزر الطبية الذهبية رفيعة المستوى، وذلك لتعمقه في الأبحاث وإنسانيته في مجال الطب، كما صادف تكريمنا وتكريم الآخرين لأبنائنا، تكريم عالمي للإبداع العربي، وذلك حين حاز العالم المصري على جائزة نوبل في الكيمياء على اختراعه لتلك الكاميرا الدقيقة التي ستعمل على رصد حركة الجزيئات داخل الذرة بدقة لم توفرها آلة رصد من قبل، وانعكاسات ذلك الاختراع على مجالات عديدة في العلوم وفي الطب.
وقد يكون هذا العالم المصري الدكتور أحمد زويل أوفر حظاً من زملائه المبدعين، حيث رعت إبداعه وتبنته مؤسسات عالمية تؤمن بأهمية الاستثمار البشري، ووفرت له المعامل والأجهزة والميزانية والمساعدين والمناخ الملائم الذي مكنه من ذلك الإنجاز العلمي، وإذا كان الدكتور زويل إنتاجاً عربياً، باعتبار أنه ولد وتلقى تعليمه كله في مصر، فإن استثماره كان عالمياً أو بدقة أكثر أمريكياً، حين وفرت له الدولة هناك كل ما ينمي قدراته الإبداعية والعلمية، واحتضنته عالماً ومواطناً ومبدعاً.
ولا تعتبر حالة الدكتور زويل فريدة، بل إن هناك متشابهات لها كثيرة، تضم أسماء لمبدعين وفنانين وعلماء أنبتتهم وأخرجتهم أوطانهم ثم احتضنتهم واستثمرتهم دول تكن احتراماً للإبداع وتتعامل مع العلم بقدسية وسمو، فكان استثماراً طويل الأمد والفائدة، ونحن في هذا الوطن، وبعد أن قطعنا شوطاً لا يستهان به من التعليم والتثقيف والرعاية التربوية للأبناء، كان من نتائجه الطبيعية بروز بعض المتميزين علمياً أو فنياً او أدبياً، وهؤلاء أصبحوا يشكلون تحدياً لمدى قدرة الدولة على احتضانهم واستثمارهم بصورة حكيمة وناضجة، خاصة وأننا نفتقد المؤسسات الراعية والمتخصصة في الاستثمار البشري بشكل عام، وهي إن وجدت فإنها لم تؤد دورها المطلوب، وبقيت مجرد واجهات شكلية منغلقة ومنعزلة، بل ومن السخرية والأسف في آن واحد أن تكون إحدى هذه المؤسسات أداة طرد وتطفيش لأحد المبدعين الذين كرمتهم الدولة في مهرجانها الثقافي الأخير، فالمخرج عبدالمحسن حيات الذي بعث الروح في مؤسسة الكويت للتقدم العلمي، وأخرجها بأعماله المميزة إلى العلن وإلى عامة الناس، كان مثالاً ودليلاً على مدى فشل مثل هذه المؤسسات في تحقيق الدعم والاحتضان المطلوب منها لأي عمل إبداعي مميز، وذلك حين طغت الفوضى والتعسف الإداري في مؤسسة الكويت للتقدم العلمي على أهدافها العلمية، فسخرت جهودها لمحاربة مبدعين مثل عبدالمحسن حيات بدلاً من احتضانهم واستثمارهم!
إن التكريم الذي حظي به بعض أبناء الوطن في مهرجان القرين الثقافي ليس نهاية الطريق، بل أولى خطواته وعتباته، والمطلوب الآن من الدولة بمؤسساتها فتح الطريق أمام سامي محمد والدكتور حسين دشتي وعبدالمحسن حيات وغيرهم من الذين يتوقون للانطلاق في عالم الإبداع اللامتناهي، وإذا كانت البداية من مهرجان القرين، فإن النهاية لا يجب أن تكون منه كذلك.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى