
لقد دأبت المجتمعات البشرية عبر تاريخها على تعليم أفرادها.. وذلك إرضاء لنزعة المعرفة، علمية كانت أم جمالية، لدى الفرد بوجه عام. وعلى الرغم من أن التعليم في التاريخ البشري المدون كان قصراً على رجال الدين والكهنة.. والنبلاء! إلا أن ذلك لم يمنع أفلاطون فيما بعد من تأسيس أول صرح أكاديمي تعليمي في العام 387 قبل الميلاد.. بهدف تعميم الفائدة وتهذيب وتعليم تلاميذه.. بحيث يمكن اعتبار مدرسة أفلاطون أولى الجامعات في التاريخ البشري.
للمدرسة في حياة البشر دور أساسي في تنشئة الفرد. وهو دور لم يقتصر أبداً على الجانب التثقيفي والتعليمي فحسب. فالمدرسة بشكلها الحديث تؤدي دوراً لا شك في أنه أكبر وأهم من مجرد كونها مقر تلقين وتحفيظ.. فالمدرسة هي أولى العتبات نحو النظام والقانون المجتمعي، وهي أولى مداخل الفرد نحو الانتظام والالتزام بنهج الجماعة.. ونظام المجتمع.
ولا تتضاءل ولا تتراجع هذه الأهمية للمدرسة أو للمقر التعليمي والتثقيفي في المراحل العليا من التعليم.. كالجامعي مثلاً. بل على العكس من ذلك، فالانخراط في القانون والنهج المجتمعي العام والالتزام والتقيد بالنظام واحترامه يصبحان أساس السلوك المتوقع من الطالب في هذه المرحلة المتقدمة ثقافياً وعلمياً.. باعتبار أنه قد خضع وتجاوز مرحلة تدريب طويلة خلقت منه فرداً قادراً ومقدراً في آن واحد لأهمية الانصياع للنظام ليس بالنسبة له وحده، وإنما للنسيج المجتمعي بوجه عام.
ولا يشك أحد منا في أن هنالك خللاً واضحاً في وضع أهداف تعليمية واضحة.. حتى لقد طغى ذلك الأمر على كل نقد يوجه إلى التعليم في هذا الوطن بوجه عام! ولم يسلم بالطبع ذلك الهدف المجتمعي من وراء التعليم.. من الخلل الذي ألمَّ بالتعليم بوجه عام. فعلى سبيل المثال لا الحصر.. هنالك فترات تسجيل محدودة زمنياً في الجامعة، يجري خلالها اختبار قدرات الطالب في مواد محددة بقصد تنظيم عملية التوزيع للطلبة لاحقاً وفقاً للمقررات وللشعب الدراسية.. كما للتخصصات المتوفرة. عملية التسجيل هذه يتم الإعلان عنها في الصحف.. وهي متوفرة في كل اللوحات الإعلانية داخل الحرم الجامعي. كما أن عمليات اختبار القدرات التي تتم عادة قبل التسجيل يتم الإعلان عنها في الصحف كما يشار إليها في المدارس. وذلك بالنسبة للمتقدمين الجدد – لأكثر من مرة.. وهي متوفرة كذلك في كل لوحة إعلانية داخل الحرم الجامعي لمن يرغب من الطلبة في التحويل إلى كلية أخرى!!
وكل تلك الجهود.. سواء التي يبذلها الجهاز المسؤول عن الإعلان عن عملية التسجيل، أو عن أي من اختبار القدرات، يقوم بها فريق عمل لديه مهام أخرى بخلاف هذه المهمة! بالإضافة إلى أن تلك الاختبارات يشرف عليها.. ويضعها.. ومن ثم يقيمها فريق من المدرسين والأساتذة إلا أنه وبالرغم من كل ذلك، فإن التسجيل يتكرر أكثر من مرة.. كما أن الاختبارات بما فيها الإشراف والتقييم تعاد كذلك، ليس لمرة واحدة فقط وإنما أحياناً تصل إلى ما يشبه المهزلة، حين تتكرر لثماني مرات كما حدث أثناء التسجيل في أحد الأقسام العلمية!!
وتلك فوضى لا تقتصر على فصل دراسي واحد تم استثناؤه من “النظام” الصارم في الجامعة.. وإنما أصبحت هي القاعدة.. بحيث اعتاد الطالب أن يستهتر بالمواعيد المعلنة للتسجيل أو للاختبار في الجامعة.. ليس تمرداً من جانبه على الانضباط والانصياع للنظام في الجامعة.. وإنما لأنه أصبح يعلم مسبقاً أن اللاانضباط واللاجدية هما السمة السائدة!!
الفوضى في الجامعة، خاصة في فترات التسجيل، أصبحت حديث الجميع.. ومصدر تذمر الكل.. بحيث لا يكاد يمر فصل دراسي واحد دون أن تكون الفوضى هي المقدمة له! وهذه الفوضى، وإن كانت دليلاً على خلل في النظام، إلا أنها تأتي كذلك لتكون مؤشراً على خلل أعمق، وهو خلل في وعي وإدراك المواطن لأهمية جانب الانضباط والالتزام في العملية التعليمية بشكل عام.
كما أن تكرار التسجيل والاختبار يتم عن جهل بقيمة وقت وجهد الآخرين.. وهو جهل لا يخلو من الأنانية التي تصبح صفة في طالب سيتحول يوماً إلى فرد سيطلب منه المجتمع أن يتعلم فن التنسيق والتعامل مع سواه من الأفراد!
فكم يا ترى نملك من الحق في أن ننتقد موظفاً أخلَّ بنظام العمل.. أو طبيباً استهتر بوقت مريض!! أو مدرساً تجاهل حاجة طالب!! قد لا نملك ذلك الحق.. فهم جميعاً نتاج فوضى لا بد أن نتداركها.. لأنها تطالنا جميعاً!! فمن يوقف الفوضى من الجامعة.. وغيرها؟!
