
قارب العقد الثالث من التعليم الجامعي على الانقضاء.. ولم يبق سوى عام واحد.. لتتم مسيرة الجامعة عامها الثلاثين.. إلا أنه وعلى الرغم من ذلك لا يزال التعليم العالي بوجه عام متواضع الأداء والعطاء.. ولا تزال بعض المشاكل الإدارية للجامعة.. تسيطر وتشل حركتها وأداءها الأكاديمي.
لا ننكر أن هنالك محاولات حثيثة للنهوض بالجامعة من ذلك الواقع الأكاديمي المتردي!! غير أنها محاولات يائسة في أغلبها حيث تصطدم دوماً بالتجاوزات والفوضى الإدارية.. والتي تصل الذروة في فترات التسجيل والسحب والإضافة!! حيث تتضاعف التجاوزات.. وتخترق القوانين!!
مشروع كلية العلوم الإدارية هو إحدى تلك المحاولات الجادة للنهوض بمستوى التعليم الجامعي!! وهو مشروع يرمي إلى تحويل كلية التجارة تدريجياً إلى كلية تخصصية.. ذات مستوى أكاديمي عال ومميز!! وهو مشروع يتطلب أولاً.. اختياراً دقيقاً للمتقدمين الراغبين في الالتحاق بالكلية.. حيث يتم ذلك من خلال اجتيازهم لاختبارات مدروسة في القدرات.. يجري بعدها إخضاع الطالب لدروس وبرامج مكثفة في اللغة الإنكليزية.. والرياضيات.. والكمبيوتر!!
وعلى الرغم من تفاؤل القائمين على المشروع بأن يؤدي إلى رفع مستوى الأداء في الكلية.. غير أنه تفاؤل لم يخلُ من الشكوك والمخاوف من احتمالات التدخل الخارجي للإخلال بنسب القبول.. أو لفرض ضغوط على الكلية تجردها من استقلاليتها النسبية وحقها في الإدارة الداخلية!!
غير أن الأمور قد جاءت بعكس تلك المخاوف والتوقعات، فلقد كانت أولى محاولات التلاعب والعبث باستقلالية الكلية والجامعة من قلب الحرم الجامعي نفسه!! فلقد تم تخصيص فصول خاصة للبنين وفصول خاصة للبنات.. في محاولة لفرض الاختلاط في الكلية الحديثة.. على الرغم من أن لا قرار صدر بذلك!! قضية الفصل ومنع الاختلاط في الحرم الجامعي قضية تم الفصل فيها ورفضت!! وعلى الرغم من أن المسألة هنا قد تبدو ثانوية ولا علاقة لها بالإنجاز الأكاديمي المتوقع والمرجو للكلية!! إلا أنها تدفع بتساؤل حرج ومُلح عن مصدر القرار في الجامعة!! خاصة أن القائمين على عملية التسجيل لا علم لهم بهذا الإجراء بل وأبدوا دهشتهم لذلك!!
عملية الفصل تمت بأسلوب تحايلي ساذج، فلقد جرى زج طالب وحيد وسط فصل كامل للطالبات.. أو العكس، في عملية للتمويه فاشلة.. وذلك في مقررات اللغة الإنكليزية!! حتى تبدو المسألة وكأنها محض صدفة!! وبحث يتم تحويل الطالب الوحيد أو الطالبة الوحيدة فيما بعد!!
لقد طغى الجانب السياسي على قضية الاختلاط في الجامعة، بحيث أصبحت عنواناً يتشدق به المزايدون سواء أثناء انتخابات اتحاد الطلبة في الجامعة أو في انتخابات مجلس الأمة.. وعلى الرغم من أنه قد سبق ورُفض مشروع منع الاختلاط في الجامعة لأسباب عديدة، سواء أكانت اقتصادية تتعلق بتكلفة مشروع كهذا أم كانت لأسباب منطقية بحتة، تستغرب الفصل في مجتمع قوامه الجنسان معاً: في العمل.. في الأسواق.. في مرافق الخدمات كلها.. بل وفي التمثيل الدبلوماسي كذلك!!
قضية عزل الطلاب وفصلهم عن الطالبات في كلية العلوم الإدارية إذاً، ما هي إلا استمرار لجهود المزايدين في فرض قناعاتهم ورؤاهم!! غير أن ما يثير في قضية كهذه هو جانبها المتعلق باستقلالية القرار الإداري في الجامعة!! بل ويرفع تساؤلاً حرجاً هنا عن حقيقة مصدر القرار في الجامعة!! وعن حجم النفوذ الذي تتمتع به التيارات السياسية من خارج الحرم الجامعي.. وعن مدى قدرتهم على فرض قانونهم الخاص، ليُطيح بالقانون في الجامعة!! جوهر القضية هنا إذاً ليس الاختلاط أو عدمه!! بقدر ما هو إثارة لتساؤلات يجب ألا تبقى عالقة عمن يملك القرار في الجامعة؟!
