
أثارت إحدى الصحف مسألة التعميم الذي أصدرته وزارة التربية في أواخر العام الماضي، والمطبق على هذا العام الدراسي باعتبار أهم درس عن الغزو العراقي في كتاب الصف التاسع مجرد “درس للقراءة” لا أكثر ولا أقل، مما يعني بالضرورة أنه غير داخل في الاختبارات، وبالتالي ليس مطلوباً من الطلبة قراءته أو التركيز عليه.
مسألة إدراج تفاصيل الغزو في المناهج التعليمية، كانت مسألة تحاور حولها الكثيرون سواء من قبل الجسم التعليمي أو من خارجه! وقد كانت هنالك وجهتا نظر مختلفتان حول هذه المسألة؛ الأولى تقول بضرورة النأي بطلبة المدارس عن تفاصيل الغزو، والثانية رأت بضرورة ترسيخ تلك المرحلة في أذهان الأبناء!
وأياً كان الأمر هنا، فإنه من المؤكد أن هنالك خطأ، أو لنقل تهوراً في الطريقة والأسلوب الذي اتبعه التربويون عند التعرض لكارثة الغزو في المناهج التعليمية، وحيث أفردت كتب القراءة والجغرافيا والتاريخ دروساً مطولة تتناول الغزو من منظور عاطفي ومتشنج، وأبعد ما يكون عن التناول العلمي الموضوعي، وبحيث كانت المواضيع المتعلقة بالغزو أشبه ما تكون بالمقالات التي نقرأها في الصحف اليومية.
كانت البداية من كتب التاريخ والجغرافيا حين لجأ “التربويون” إلى إلغاء العراق من خارطة المنطقة في كل الكتب المدرسية، وتم طمس الاسم في أحيان كثيرة بالأسود، حتى لا تثير في الطلبة أي مشاعر حزينة، بل إن بعض المواضيع التي كانت تدرس للمرحلة الابتدائية بدت أبعد من إدراكهم، وأتذكر جيداً ورود موضوعين في كتاب القراءة للصف الثالث الابتدائي، أحدهما بعنوان “يوم الاستقلال” والآخر بعنوان “يوم التحرير” دون الأخذ بالاعتبار مدى استيعاب أطفال في مثل هذه السن العمرية للفرق بين مفهومي التحرير والاستقلال!
لا اختلاف على الإطلاق حول ضرورة الإشارة إلى مرحلة الغزو باعتبارها تشكل المرحلة الأهم والفاصلة، ليس بالنسبة للكويت وحدها، وإنما للمنطقة، بل وللعالم بأسره، فمن حادثة الغزو انطلقت أهم التغيرات السياسية التي اجتاحت العالم بدءاً بانتهاء الحرب اللبنانية ووصولاً إلى انهيار وتفكك الاتحاد السوفيتي! ويكاد لا يخلو أي تحليل سياسي للتغيرات السياسية التي حدثت في الخمسة عشر عاماً الأخيرة، من إشارة إلى غزو النظام العراقي للكويت، لكن الاختلاف الذي كان قائماً ولا يزال هو في الأسلوب الذي تم فيه تناول كارثة الغزو في المناهج التعليمية، وهو أسلوب بعيد كل البعد عن الصياغة والتدوين الأكاديمي والتربوي الناضج والمتعقل، بل إن كل الدروس التي تناولت مرحلة الغزو سواء في منهج الاجتماعيات أو في دروس القراءة والمطالعة لم تتعدَّ كونها مقالات إنشائية لكتاب ومواطنين بثوا من خلالها تجاربهم ومشاهداتهم الشخصية لكارثة الغزو.
صحيح أن فرنسا لا تزال تدرس طلابها مادة الغزو الألماني لفرنسا إبان الحرب العالمية الثانية، وصحيح أن الغزو الألماني لفرنسا يدرس في المدارس الألمانية نفسها، لكنه قطعاً لا يدرس بالصورة المتشنجة واللا أكاديمية كالتي اتبعناها في مناهجنا التعليمية عند تناول الغزو! فعلى الرغم من موت مئات الآلاف من الفرنسيين على أيدي الألمان، فإننا لم نسمع عن كتاب مدرسي فرنسي يروي تجربة فرد مع العنف والتعذيب الألماني! فذلك مكانه الكتب والروايات والمذكرات، بل وحتى الأفلام، لكن ليس في المناهج التعليمية.
حين انتهت الحرب في يوغسلافيا الممزقة، كانت أول خطوة اتخذها الكروات الذين اضطهدهم وقتلهم الصرب، هي الحرص على عدم إدراج تلك الحقبة الدموية من تاريخهم في مناهج الأبناء التعليمية، على الرغم من كل ملامح العنف والقتل والدمار التي خيمت على العلاقة بين الصرب والكروات في تلك الحقبة السوداء.
