الأرشيف

من يجاهد من؟

[جريدة القبس 22/5/2007]

نعى عدد من الإسلاميين الكويتيين مقتل القائد العسكري لحركة طالبان الملا داد الله، مؤكدين في تصريح لهم لإحدى الصحف على شرعية الجهاد في أفغانستان، وأن العمليات الاستشهادية والجهادية الطالبانية لن تتوقف بمقتل القائد الذي لا يشكل استشهاده انتصاراً للمحتل الأمريكي كما يقولون، وقد أطرى هؤلاء الإسلاميون على دور الملا داد الله وجهاده في سبيل طرد الغزاة من أفغانستان، وهو الذي يستقبل المجاهدين العرب بكل حفاوة وترحيب!
تأبين الملا داد الله بهذه الصورة يؤكد استمرارية منهج الخلط بين مفهوم الجهاد في العقيدة الإسلامية وبين إرهاب الجهاد على الطريقة الطالبانية والزرقاوية وغيرهما من مناهج هي أبعد ما تكون عن فقه الجهاد الحقيقي ورموزه والمغزى الأساسي من ورائه!
“الملا داد الله” وكما نشرت “القبس” فقد إحدى ساقيه خلال القتال ضد قوات الاتحاد السوفيتي عندما كان يحتل أفغانستان وهو أحد الأعضاء المرموقين في قيادة طالبان وقد فر بشكل غامض إلى جنوب أفغانستان ثم باكستان إثر الإطاحة بحكومة طالبان في أكتوبر 2001! وقد سبق للملا داد الله أن أعلن مسؤوليته عن عدد من الهجمات الدموية في جنوب أفغانستان، وهو أيضاً ضالع في عمليات خطف أجانب كان آخرها خطف صحافي إيطالي واثنين من مرافقيه الأفغان اللذين تم ذبحهما وإطلاق الإيطالي في صفقة تبادل أسرى! إدارة المخابرات الأفغانية، وكما ذكرت “القبس”، وجهت إليه مسؤولية سلسلة من جرائم الخطف لأجانب وأفغان وبعض جرائم قطع الرأس!
المثير في تاريخ الملا داد الله أن الحقبة الأولى من جهاده كانت ضد الاتحاد السوفيتي وبدعم وسلاح من الولايات المتحدة، وأن دافع الجهاد آنذاك كان بسبب اختلاف فكري وعقائدي، وليس بسبب احتلال وحسب! آنذاك لم تكن الولايات المتحدة شيطاناً أكبر ولا محتلاً وإنما حليف وممول للسلاح والعتاد والدعم السياسي والعسكري، آنذاك كان “الجهاد” ضد “كفرة وملحدين” وليس ضد محتلين وحسب! أما الآن، فقد تحول “الجهاد” ليصبح ضد الحلفاء السابقين، ضد الولايات المتحدة بعد أن انفك العقد والارتباط الأول الذي كان قائماً بين الملا داد الله وحركة طالبان، وبين أمريكا!
دفاع الإسلاميين الكويتيين عن دور الملا داد الله ونعيه كما لو كان بطلاً وقف على مشارف القدس، يثير من جديد السؤال الذي لم يتوقف أبداً حول مفهوم الجهاد في الفكر الإسلامي الحديث، ودوافعه وموجباته، فإذا كان “جهاد” طالبان قد تحول فيه العدو وتبدل وفي فترة وجيزة هي المرحلة الفاصلة بين خروج السوفيت ودخول الولايات المتحدة حلبة أفغانستان، فأي مستقبل “جهادي” ينتظر يا ترى فلول المجاهدين العرب الذين كان يستقبلهم الملا داد الله في كهوف أفغانستان؟
هناك بلا شك أكثر من جبهة عربية مفتوحة على مصراعيها لمن يملك حقاً دافع الجهاد، ويتطلع إلى الشهادة الحقيقية، وإذا كان تضليل البعض قد دفع بشبابنا لأن يقذفوا بأرواحهم في أتون صراعات لا ناقة لهم فيها ولا جمل، فإن الوقت بتصور الكثيرين خاصة من أهالي الأسرى في غوانتانامو، قد حان لإعادة الأمور إلى نصابها، والكف عن التضليل باسم الجهاد، وبحجة العقيدة والدين! ويبقى على المتيقنين من حجة الملا داد الله ومشروعية جهاده أن يتوجهوا بأنفسهم وبأرواحهم إلى ساحة المعركة في أفغانستان بدلاً من نظم الشعر في شهداء أفغانستان وتضليل الشباب بدعوى استمرارية الجهاد!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى