غير مصنف

من وحي السفر والإجازة

[جريدة القبس 4/10/2002]

لم تعد الإجازة فرصة للراحة والاستجمام والاسترخاء، وكما كانت الحال في السابقِ ولعل ذلك يعود إلى أن إنسان العصر الحديث لم يعد يخرج كثيراً عن مألوف وروتين حياته اليومية، بل أصبح يحمل معه في إجازته مناخه الثقافي والاجتماعي والسياسي، وبالطبع فإن ذلك يعود أساساً إلى ثورة العصر المعلوماتية التي أفرزت القرية الكونية وكل ما آل إليها من وصل وتواصل واتصال.
قديماً، وحين نقول قديماً هنا، فنحن نعني مرحلة السبعينيات والثمانينيات من هذا القرن، كان الفرد منا حين يخرج في إجازة فإنه ينسلخ تماماً من مناخ حياته في مقر استقراره ويندمج إلى حد الانصهار مع مناخ المقر أو الوجهة المزمع قضاء الإجازة فيها، ليس لأسباب تتعلق بانتظام الفرد آنذاك بقدر ما هي أسباب تعود إلى صعوبة الاتصال والتواصل، سواء على المستوى الشخصي أو على المستوى الإعلامي الرسمي والخاص منه، فتكلفة المكالمات قديماً وصعوبتها لا تقارن إطلاقاً بسهولة ويسر الاتصال الهاتفي أو الإلكتروني الحديث، كما أن الإرسال والاستقبال عبر الأقمار الصناعية كانا قاصرين على الاحتياجات والظروف الدولية والرسمية الضيقة جداً، نحن اليوم إذاً نسافر ولا نسافر، أي أننا ننتقل جغرافياً فقط وليس ثقافياً أو اجتماعياً، فنحن نقرأ في الإجازة صحفنا اليومية الصادرة في بلدنا، ونستمتع بأطعمتنا التقليدية، ونشاهد محطاتنا التلفزيونية.
هذا الواقع الذي فرضته ثورة العصر المعلوماتية غير قابل للإلغاء أو التغيير، لكن الاختلاف حوله لا يخلو في أحيان كثيرة من الجدل، حيث يرى فريق أن مثل هذا الانصهار الجماعي داخل بوتقة القرية الكونية الصغيرة قد خلف إحساساً بالملل، فلم يعد هنالك ما يثير البهجة أو الدهشة والانبهار التي كثيراً ما كانت تعترينا حين الانتقال إلى ثقافة أو بيئة جديدة، فاختفت من السفر خاصية الإثارة وترقب الجديد، ولم يعد هنالك جديد غير اختلاف المظاهر الجوية فقط لا غير.
أما الفريق الآخر فيرى في ذلك التزاوج الكوني الجديد مدخلاً لوحدة أهل الأرض وبداية مبشرة بإلغاء الفروقات والاختلافات الثقافية والحضارية التي قد تشكل عالماً واحداً متآلفاً ومتحداً بصورة قد تؤدي إلى اختفاء مقومات الصراع والتناحر والحروب بسبب انسجام واتحاد ثقافي يسود الأرض وأهلها.
قد يكون هنالك جانب كبير من الصحة والواقعية في كلا الرأيين، وقد نرى في المستقبل القريب ما يرجح كفة فريق على الآخر، فنحن لانزال في بوابة القرية الكونية الصغيرة، ولم تتضح إرهاصاتها بعد بالصورة التي تجعلنا نجزم بصحة رأي دون الآخر، لكن ذلك لا ينفي ما بدأنا به هذا المقال، وهو أن السفر في يومنا الحاضر ليس سوى تغيير في جغرافية المكان، وليس في مكنونه وتفاصيله، وذلك بعد أن اختزلت التكنولوجيا أمكنة الأرض كلها في بقعة واحدة ومكان ثابت.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى