
المشهد الرابع: وزارة الداخلية
سمو ولي العهد،
تحية طيبة جديدة، تحمل معها دعوة أخرى صادقة من مواطنة تأمل في أن تطرح بقلمها مساهمات متواضعة في ما تراه من مشاهد حزن ألمّت بمسيرة وطننا الصغير.
سمو ولي العهد،
مشهدنا الرابع يأتي كأكثر مشاهدنا حساسية وألماً.. فالمشهد الأمني يخضع له الجميع، الدولة، كما المواطن، ودور وزارة الداخلية في توفيره أمر يجب ألا يكون خاضعاً لمساومة أو تساهل لأنه يتعلق مباشرة بأمن الدولة بمقدار علاقته بأمن المواطن.
لا نريد القول هنا أن الأمن مفقود، وإنما هو في تدن وتراجع يهددان بأخطار وتكهنات أمنية مستقبلية مرعبة! ففي فترة وجيزة ارتفعت معدلات الجريمة في الكويت بصورة هائلة ومخيفة، وأصبحت فيها السرقات تتم في وضح النهار وتحت الشمس، وأصبح العنف الجسدي ظاهرة يومية بعد أن كان حوادث وحالات متفرقة، زماناً ومكاناً، تتناقلها صفحات الحوادث بالصحف اليومية، وتصاعدت حدة التراجع الأمني بصورة أصبح معها السلاح أداة ترفيه توفرها حفلات الأعراس ومسيرات التضامن الكروي، وأصبح الاغتصاب شائعاً ومتكرراً، والمخدرات يتناولها المساجين بحرية شبه مطلقة، وأصبحنا نعرف تزوير الأموال والوثائق الرسمية بعد أن كنا نراها في أفلام الإثارة فقط، وعرفنا الجريمة المنظمة، ودهاء المجرمين المسبوق بالإصرار والترصد، والتوقيت الزمني والمكاني!
سمو ولي العهد،
نحن نعلم بأن الأمن مسؤولية الجميع، يؤدي فيه المجتمع دوره من خلال تنشئة المواطن الصالح، وتؤدي فيه وزارة الداخلية دورها من خلال ملاحقة العابثين بالأمن والمهددين له سواء قبل وقوع الجريمة أم بعدها. وبما أن الهدف الأساسي من وراء حديثنا هذا هو محاولة الارتقاء بأداء المؤسسات، فإن الحديث عن دور المجتمع في تنشئة الفرد الصالح يكون حديثاً جانبياً خارجاً عن صلب الموضوع والمتعلق أساساً بعلاقة تراجع الأمن بتدني مستوى الأداء في وزارة الداخلية.. فعلى سبيل المثال: قد تدفع التنشئة غير السوية إلى إدمان المخدرات، لكنها لا تؤدي إلى انتشار المخدرات في المؤسسات العقابية، ولا إلى المتاجرة بالهيرويين داخل السجون، ولا إلى الاستخدام الحر للهواتف النقالة والأجهزة الكهربائية تحت سمع وبصر الأجهزة الأمنية!!
سمو ولي العهد،
قد لا تختلف وزارة الداخلية إدارياً عن أية وزارة أخرى من حيث تدني وتراجع الأداء.. لكن طبيعة المهام المنوطة بهذه الوزارة السيادية تضاعف من خطر أي إخفاق أو تدن في أدائها، فتخلف جهاز الأمن ينعكس وبصورة فورية ومباشرة، على أرواح المواطنين وأعراضهم وأموالهم، واستقرارهم بشكل عام. فعلى الرغم من أن شعار الحزم والعين الساهرة هو شعار يرفعه كل وزراء الداخلية، إلا أنهم، وللأسف الشديد، يقعون في الأخطاء الإدارية ذاتها، خاصة في ما يتعلق بجهاز الوزارة الإداري، حيث يصر كل وزير على “تغيير جذري” في هيكل الإدارة بصورة تربك الأداء وتقطع الاستمرارية في الخطط الأمنية التي تعتبر شرطاً أساسياً نحو تثبيت تلك الخطط وإقرارها عملياً. ولعلَّ المواطن يتذكر هنا تلك الخطة الأمنية لتطهير منطقة ضاحية عبدالله السالم والدائري الثاني من شغب واستهتار أصحاب الدراجات النارية، والتي صدرت أوامر (فجائية) بإيقافها على الرغم من كل ما حققته الخطة من نجاح لاقى استحسان مواطني المنطقة وأهاليها! ولم يعد إحياء الخطة إلا بعد أن كادت مواطنة تلقى مصرعها نتيجة رعونة أحد شباب الدراجات النارية.. مثال قد يكون بسيطاً، لكنه يعكس طبيعة الخلل في المؤسسة الأمنية بشكل عام، فاستقرار التنظيم الإداري لوزارة مثل وزارة الداخلية يعتبر شرطاً أساسياً في سبيل تحسين الأداء والعمل فيها.
سمو ولي العهد،
لا شك في أن جزءاً كبيراً من تدني الأداء الأمني يعود لذلك التراجع الملحوظ في دور رجل الأمن وفي قيم بعض القائمين على تطبيق القوانين وتنفيذها، حيث يجري أحياناً استغلال بشع لذلك الدور أدى إلى فقدان ثقة المواطن برجل الأمن، والامتناع عن الاستعانة به، كما هي الحال في تردد بعض السيدات عن قبول مساعدة رجل المرور مثلاً، أو في تحفظ البعض على التعامل مع مخافر الشرطة أو حتى دخولها. وهو أمر أصبح يتطلب تدخلاً فورياً ومعالجة حازمة على مستوى الجهات العليا في الوزارة.
فالمعروف أن للوظيفة الأمنية هالة تغري الكثيرين بامتهانها، وتوفر لحاملها تغلغلاً في كل شؤون المجتمع ومؤسساته، بصورة قد يسيء البعض استخدامها. لذا، فإن الحيطة واجبة هنا لما يتعلق بشروط الالتحاق بالأجهزة الأمنية التي يقال أن لها شروطها وضوابطها المعتمدة، غير أنها شروط غالباً ما يجري اختراقها وتجاوزها، خاصة من قبل ما يسمى بنواب الخدمات في مجلس الأمة. بل يقال أن مسألة التدخل في التوظيف هنا قد بلغت حداً أصبحت فيه الوزارة “مجبرة” على خلق وظائف ومسميات وظيفية لأفراد وأشخاص محدودين بدلاً من العكس!
سمو ولي العهد، لقد فرض علينا الغزو مناخاً أمنياً جديداً، بدا في أغلب تفاصيله غريباً ومخيفاً، أقسى ما فيه ذلك الانتشار المخيف للسلاح بكل أنواعه، والذي كان عاملاً مباشراً في تطور أساليب الجريمة بالصورة الحالية.
وعلى الرغم من أن وزارة الداخلية لا تترك مناسبة دون أن تؤكد فيها عزمها على معالجة قضية انتشار السلاح، إلا أن شيئاً لم يتحقق بعد من ذلك العزم سوى تكراره في كل مناسبة.. بل لقد أصبحت العلنية والجهر في استخدام السلاح للأفراح وللجرائم سمة تميزت بها مرحلة ما بعد الغزو! بل أن أحد الأسواق المفتوحة يعرض للبيع علناً معدات عسكرية تتفاوت بين أحذية وأسلحة وغيرها.
سمو ولي العهد،
في السادس من يونيو عام 1997 دخلت الجريمة في الكويت في نفق ودهاليز الجريمة السياسية المنظمة، بصورة جعلتنا نقف مذهولين أمام ذلك التطور المخيف في الدهاء والتخطيط الإجرامي الذي، وللأسف الشديد، لم يصاحبه دهاء مماثل في التعامل الأمني والاجراء العقابي.. في ذلك اليوم كان النائب عبدالله النيباري ضحية لقرار إجرامي مدروس ومخطط، وسلطت محاولة اغتياله الضوء على مكامن خلل كثيرة في جهازنا الأمني بشكل عام، وتعالت يومها أصوات المواطنين مطالبة بانضباط أمني جاد وحازم، وجاءتها في المقابل وعود المسؤولين في الأجهزة الأمنية ببذل المزيد من الجهود، وبمضاعفة أعين الوزارة الساهرة، وتوقف كل شيء عند ذلك الحد من الاحتجاج المصاحب بالوعود.
سمو ولي العهد،
قد لا يكون بإمكان أي وزير للداخلية القضاء على الجريمة، ولكن بإمكان الجهاز الأمني، بل من واجبه، الحد من انتشارها في المجتمع، وهو أمر يشترط إعادة نظر جادة وصادقة في آليات تتبع الجريمة ومتابعة مرتكبيها، بالإضافة إلى تفعيل القوانين الأمنية، وتنفيذ العقوبات الصادرة بحق الجرائم مهما كان حجمها وأياً كان مرتكبها. كذلك يشترط الأمر إعادة دور المخافر وقيمة رجل الأمن، وتعزيز الجهاز الأمني بالكفاءة من الكوادر البشرية، وأمور كثيرة هي بالتأكيد ليست بخافية على أي من وزراء الداخلية.
سمو ولي العهد،
تلك كانت محطتنا الأخيرة من تجوالنا معاً في بعض من مشاهد إخفاقاتنا ومآزقنا، وهي جولات لم تخل من صراحة كانت قاسية أحياناً وحزينة في أحيان أخرى، دفعني لدعوتك إليها هم مشترك وحب مشترك لهذه الأرض الطيبة!! غير أنها، على قسوتها، تبقي باب الأمل موارباً غير مغلق، الأمل بأن يكون إصلاح تلك المشاهد بحجم مخاطرها المستقبلية، والأمل بأن تكون البداية الآن وليس غداً.
ولأن أولى عتبات الإصلاح تكمن في تحديد الأولويات فاسمح لي يا سمو ولي العهد بلقاء أخير معك أضع خلاله ملامح لإصلاح مشاهدنا الأربعة من وجهة نظر مواطنة لا تملك سوى الحب لهذا الوطن، ولا تطمح إلا للفناء في خدمة هذه الأرض، وليكن لقاؤنا المقبل والأخير مع ملامح أساسية في مشهد الخلاص.. وإلى أن يحين مشهدنا الأخير استودعكم الله وبحفظه.
