
“إلى من يهمه الأمر”
أبعث بخطابي هذا لأشرح لكم من خلاله حجم المعاناة التي تكبدتها منذ قدومي إلى الكويت قبل شهرين وإلى يوم كتابة هذا الخطاب! لقد عجزت عن استخراج فيزا إقامة لي ولزوجتي وأبنائي، ولم يتم دفع راتبي حتى هذه اللحظة، ولم أحصل على أيٍّ من مستحقاتي، ولم أتسلم بعد فيزا العمل، على الرغم من ترددي على الجهات المسؤولة، وبالرغم من وعودهم لي في كل مرة بقرب انتهاء معاملاتي، حيث أعطيت موعداً لاستلامها في 30 أكتوبر، ليتغير إلى 3 نوفمبر، ثم إلى 10 نوفمبر، وفيما بعد إلى 23 نوفمبر، وأخيراً في 29 نوفمبر!
وعلى الرغم من أني أنجزت كل متطلبات الإقامة من بصمات وفحص طبي وصور، وغير ذلك من مستندات، إلا أن أوراق الإقامة وتصريح العمل بقيت في علم الغيب!
وخلال تلك المعاناة، كنت أتنقل من جهة إلى أخرى، ومن مكتب إلى آخر على مدى شهرين من الزمن! ولم يشفع لي عقد العمل الذي جئت بموجبه إلى الكويت! ولقد أدى عدم إتمام الأوراق المتعلقة بالفيزا والإقامة إلى حجب راتبي ومخصصاتي، لذا فإني لم أستلم شيئاً من تلك المخصصات منذ وصولي إلى الكويت مما اضطرني إلى الاستدانة من الآخرين لكي أتمكن من ممارسة عملي من دون منغصات إضافية.
أما الآن وقد بلغ مني اليأس ما بلغ، فقد قررت مغادرة الكويت والعودة إلى وطني، خصوصاً بعد أن تضاعفت ديوني، وأصبح المسؤولون في المؤسسة التي أعمل فيها يغلقون هواتفهم النقالة لحرجهم أولاً من تساؤلاتي، ولإحساسهم ثانياً بانعدام الحيلة!
خطاب التظلم هذا ليس موجهاً من أحد العمالة المغلوبة على أمرها، من التي ترزح تحت ظلم واضطهاد مكاتب استقدام عمالة المنازل، وإنما هو خطاب لأستاذ جامعي وجهه إلى رؤسائه في جامعة الكويت، بعد أن ضاقت به الحيلة وعجز عن الحصول على حقوقه من خلال قنوات التواصل داخل الحرم الجامعي!
وهو خطاب يلخص بعضاً من معاناة الأساتذة وهم يناضلون في وجه البيروقراطية الجامعية التي تسيطر على سياسة التعيين في الجامعة! والتي بات يشكو منها الأساتذة بالإضافة إلى الأقسام المعنية!
لقد ترددت بعض الشيء قبل أن أقرر التطرق إلى معاناة هذا الأستاذ أو إلى سياسة التعيين في جامعة الكويت في هذا المقال، ليس لشيء، وإنما لإحساس باليأس أصبح يعتريني في كل مرة أوجه فيها نقدي للسلبيات، التي أصبحت تنخر في كيان الجامعة الأكاديمي والإداري! لكن التداعيات الخطيرة والمؤسفة، والتي أصبحت ألمسها على المستوى الأكاديمي بسبب غياب استراتيجية جامعية مسؤولة وواعية، جعلتني أصر على أن أنقل الصورة لمن هم خارج الجامعة، لعلهم يجدون مخرجاً لائقاً بتاريخ جامعة الكويت التي وفرت للوطن قيادات وكفاءات نلمسها كل يوم في تعاملاتنا!
باختصار شديد، فلسفة وسياسة التعيين في جامعة الكويت بحاجة إلى ثورة وانقلاب يعيدان للجامعة مرتبتها ومكانتها في الكويت كما في الخليج! فعلى الرغم من أن سوق التعليم العالي يشهد تنافساً شرساً، فإن جامعة الكويت وعلى ما يبدو مصرة على أن تتخلف عن ركب المتنافسين! فالجامعة وبحسب قوانينها، الجامدة، وفي ظل غياب استراتيجية أكاديمية وإدارية تواكب المتغيرات في عالم العلم والإدارة، أصبحت عاجزة عن استقطاب أي من الكفاءات الأكاديمية، بل وحتى الاحتفاظ بما لديها من كفاءات آخذة في التسرب إما إلى الجامعات الخاصة في الكويت، أو إلى جامعات خليجية أخرى!
إن ماراثون التعيين في الجامعة بدءاً بتقديم طلب التعيين، ومروراً بالعرض على مجلس الجامعة، ثم التحويل إلى الخدمة المدنية، وفيما بعد إلى المالية، مع ما يتخلل هذا الماراثون من اجتماعات وتأجيل اجتماعات، وعطل رسمية وغير رسمية، يعني أن الالتحاق بالعمل في جامعة الكويت أصبح أشبه بالحلم، إن لم يكن الكابوس.
إن البيروقراطية عدو لدود للتطوير والتحديث، وإذا كان هذا العدو قد أربك العمل في مؤسسات كثيرة في الكويت، فإنه شل العمل في الجامعة، وجمد كل مشاريع التطوير الأكاديمي والإداري، وقتل كل الحماس في روح مريديها!
