غير مصنف

من للبيئة يحميها؟

[جريدة القبس 23/4/2000]

بثت قناة الكويت التلفزيونية الثانية منذ حوالي الشهر برنامجاً وثائقياً عن دور الأسلحة والمناورات العسكرية في التلوث البيئي بشكل عام، واستعرض البرنامج بعض تلك التجارب (العسكرية) التي أجريت في صحراء نيفادا في عام 1953، حيث يروي أحد المواطنين في البرنامج مدى التدهور الصحي الذي أصاب أهل المنطقة حينذاك، وطبيعة الأمراض التي تعرض لها أهل إحدى القرى المجاورة لمواقع التدريبات العسكرية، حيث تضاعفت حالات الإصابات السرطانية بشكل مذهل وخيالي، بالإضافة إلى أمراض الجلد والغدد، ثم يتحول المشهد من “نيفادا” في عمق الولايات المتحدة، إلى طاجكستان التي كانت آنذاك في وسط الاتحاد السوفيتي السابق، ليسلط الضوء على تجارب عسكرية مشابهة في عام 1955، حيث فوجئ سكان إحدى القرى فيها بما يشبه ذرات الجليد المتساقط والتي أخذ الأطفال يمرحون ويلعبون تحتها، ثم ليتساقطوا فيما بعد ضحايا حروق جلدية غريبة، وتساقط في الشعر هائل ومخيف وذلك قبل أن تقتحمهم الأورام السرطانية، ثم يصور الفيلم كيف تضامن أهل الضحايا ليشنوا حملات مكثفة ضد تلك المناورات العسكرية مطالبين بالحد منها.
نحن اليوم في الكويت، وبعد ما يقارب عشرة أعوام على الحرب ومخلفاتها، أصبحنا نعاني من أمراض وأعراض مشابهة لتلك التي اجتاحت تلكما القريتين في الخمسينيات من هذا القرن، فحالات السرطان وأمراض الجلد وأمراض المفاصل والغدد تضاعفت بصورة مخيفة ومقلقة، بل إن الحديث عن وجود يورانيوم مشع ومخلفات حرب ضارة قد خرج من حيز الإشاعة والتكهن، ليصبح حديثاً علنياً يصرح به بعض مسؤولي الدولة والمتخصصين في مجالات الطب والبيئة، وفي لقاء أجرته صحيفة “الطليعة” مع مدير عام الهيئة العامة للبيئة ما يشير إلى تجاهلنا لتلك الأخطار البيئية التي أصبحت تنعكس وبصورة مخيفة على صحتنا النفسية والبدنية، حيث حمل مدير الهيئة كلاً من وزارتي الأشغال والكهرباء والماء وجهاز البلدية مسؤولية معظم مصادر التلوث الضارة بالبيئة البحرية والجوية والأرضية في الكويت، وأكد أن ما يتم من عمليات ردم للنفايات في الصحراء يعتبر من العمليات الخطيرة جداً على البيئة حالياً ومستقبلاً، هذا بالإضافة إلى ما تبثه محطتا الدوحة الشرقية والغربية من ملوثات في البيئة الجوية، وبالإضافة إلى تلك العوامل المباشرة في تدمير البيئة وتلويثها، هنالك أيضاً المناورات العسكرية والتدريبات بالذخيرة التي تجريها دول التحالف (الصديقة) فوق أرض الكويت طوال العام والتي لا يمكن أن نتجاهل آثرها المباشر في ما نحن فيه من تزايد مطرد من الأمراض السرطانية والجلدية والغددية.
إذا كانت ظروف الغزو والحرب، وما تبعهما، قد فرضت علينا كدولة وككيان سياسي التزامات مالية وعسكرية، فإن ذلك الالتزام لا يجب أن يشملنا كأفراد من حقنا أن نتمتع ببيئة نظيفة ونقية لا تلوثها آلة الحرب والتدريبات العسكرية.
في العالم كله يكون التصدي لقضايا التلوث والبيئة من قبل مؤسسات خاصة ولجان شعبية وجمعيات غير سياسية، ونادراً ما تكون المؤسسات الحكومية المدافعة عن البيئة جادة أو ناجحة في مهامها وعملها، وذلك لأن الدفاع عن البيئة وحمايتها غالباً ما يصطدمان بمصالح سياسية أو عسكرية تؤثر مباشرة في أدائها وخططها.
ونحن في الكويت أصبحنا اليوم في أمس الحاجة إلى تحرك شعبي منظم وجاد لإعادة النقاء لبيئتنا الجوية والبحرية والأرضية المريضة، وأن نكون كمواطنين مدنيين أداة ضغط على الجهات المسؤولة لوقف حمى المناورات العسكرية المستمرة التي استباحت أجسادنا وصدورنا وأنفسنا، فاحمر بحرنا وابيضت صحارينا، وإذا كانت الآلة العسكرية قد حمت الوطن، فمن للبيئة يحميها؟!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى