ملفات ساخنة

من قتل الطفل محمد الدرة؟!

من قتل الطفل محمد الدرة؟!

صور حزينة وقاسية ومؤسفة نشرتها الصحافة في الأسبوع الماضي للمواطن الفلسطيني “جمال الدرة” وهو يحاول أن يحمي بيديه العاريتين جسد طفله الصغير الذي استهدفته آلة الحقد الإسرائيلي البشعة، لكن محاولاته وكما أظهرت الصور فشلت في ذلك ليسقط الطفل ضحية لعنف مجنون أهوج، لا يمكن لتلك الصور أن تعبر عين أو حتى مخيلة أي صاحب ضمير يقظ دون أن تفجر في عينه دموعاً ساخنة، وأن تثير في قلبه حرقة وغصة وحزناً لما آل إليه الوضع والضمير والجار والمستقبل العربي بشكل عام.
الاعتداءات الإسرائيلية الوحشية ضد المصلين والمواطنين الفلسطينيين العزل في المسجد الأقصى ليست هي الأولى ولن تكون الأخيرة، لأن الجسم العربي بأكمله قد أصبح عارياً ومستباحاً منذ أن دخل صدام حسين أرض الكويت في الثاني من أغسطس 1990، ولأن الجهود العربية كلها تحولت إلى صراعات داخلية غبية وعقيمة!! ولأن آلات الإعلام العربية لا تزال ترى في نظام صدام حسين الضحية، وفي شخصه قائداً وملهماً عربياً!!
نحن هنا في الكويت نستغرب دائماً ذلك الحماس – الذي وبكل أسف لا يزال قائماً – لصدام حسين ولنظامه على الرغم من منطقية العلاقة بين ما قام به تجاه الكويت، وبين ما آلت إليه الأوضاع العربية بما فيها سلام ياسر عرفات المهين، الذي أدى إلى ما نشهده الآن من عنف وقتل بحق الفلسطينيين وغيرهم!!
ونستنكر ذلك الحماس الذي لا يزال ملتهباً تجاه النظام العراقي، وهو حماس كثيراً ما أخرج جماهير غفيرة قد يكون من بينها المواطن المثكول “جمال الدرة”، لنستنتج على ضوء ذلك كله بأن الإعلام العربي بكل أجهزته هو المجرم والعدو حقاً، فهو الذي نصب صدام حسين بطلاً، وهو الذي جعل من هزيمته أماً للمعارك، وهو الذي خلد سلام ياسر عرفات ليكون سلاماً للشجعان، وأخيراً لا آخراً هو الذي قتل الطفل “محمد” ابن المواطن الفلسطيني “جمال الدرة”!
لم تزدحم الشوارع والأزقة العربية بالمتظاهرين، وحملة اللافتات من المنددين بالعنجهية الإسرائيلية، وبدور منظمة التحرير ونخبتها في إراقة دماء الأبرياء من الفلسطينيين العزل، وكما حدث في أيام الغزو العراقي حين تدافعت تلك الجماهير للدفاع عن (الدماء) و(الحريات) العراقية المنتهكة من قبل قوات التحالف، ليس لاختلاف بين حرمة الدماء العراقية والفلسطينية!! وإنما لأن أجهزة الإعلام العربية ومن وراءها ومن يملكها ومن يديرها قد انغمست وحتى الكوعين في شبكة من المصالح والتطبيع والتمثيل الدبلوماسي والتبادل التجاري مع إسرائيل، بصورة جعلتها تعفي الجماهير من الخارج لمناصرة أهلهم في فلسطين، وتحل بذلك حرمة الدماء والحريات الفلسطينية!!
ليس في ذلك التصور أدنى قدر من المبالغة أو التعظيم!! فللإعلام الدور الأول في تشكيل وعي المواطن، وتتحمل أجهزة الإعلام العربية المسؤولية كاملة في ما آل إليه الوعي والإدراك العربي من فوضى وتخبط انعكسا وبصورة مباشرة على مساهمة الشارع والفرد العربي السياسية والنضالية!!
اليوم ونحن نشهد مآسي الفلسطينيين في الأرض المحتلة وفي غزة وفي القدس نفتقد حماس وثورة محطة إعلامية كقناة “الجزيرة” أو “أبو ظبي”، ونستغرب غياب المخلصين و(الوطنيين) وأهل (النضال والحق) العربي من أمثال (المناضل) “فيصل القاسم” و”سامي حداد” والسيد “عبدالباري عطوان” وغيرهم كما نستنكر، باعتبارنا في الكويت من أكثر المعانين من ذلك التضليل والجرم الإعلامي الذي أزهق الكرامة العربية، وجعل السفير الإسرائيلي يتبضع من أسواق الدوحة وينام ملء عينيه في الشيراتون القطري، بينما تجهز آلته العسكرية على أرواح الأبرياء من الفلسطينيين العرب!!
إن العلاقة المباشرة بين استمرار إعلام مجرم ومضلل، كالذي نشهده الآن سائداً على الساحة الإعلامية العربية، وبين ما حل بالواقع العربي من كوارث هي علاقة واضحة ومباشرة، إعلام يدعي زوراً نصرة الضعفاء، بينما في جوهره يحتضن كل مسببات ضعفهم وقهرهم!! فلقد سبق ولا يزال يمارس القتل بحق الكويت أرضاً وشعباً، وها هو الآن يمارس مجوناً آخر يسقط ضحيته عشرات الشهداء الفلسطينيين!! وما لم تتضح حقيقة العلاقة – التي طالما أنكرها الإعلام العربي – بين استشهاد محمد الدرة وبين بقاء “صدام حسين” وغيره كأعمدة (للنضال) العربي، سيبقى سر مقتله غامضاً!! فهل تُعمّد دماء الطفل محمد الحقيقة وتتهم مباشرة أجهزة الإعلام العربية بقتل الطفل “محمد جمال الدرة” إصراراً وترصداً؟

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى