
ماذا يعني أن يغش 40 ألف طالب، وأن يتورّط عدد من التربويين في فضيحة الغش الأخيرة؟
وزارة التربية أشارت إلى أنها ستقوم بالتدقيق على أي دارس يُشتَبَه بتورّطه في الغش وحصوله على التفوّق الوهمي. كما أنها تَدرس إصدار لائحة جديدة لمنع الغش، وسَيَتم تغليظ العقوبات التي سَتَشمَل الطلبة المتورطين والمعلمين الذين يساعدون الغشاشين ومراقبي اللجان وأي طرف آخر في العملية يُسَهّل هذه الجريمة.
ليست المرة الأولى، ولن تكون الأخيرة التي يخرج فيها التربويون ووزارة التربية معهم باقتراحات واحترازات لمواجهة الغش والغشاشين، كلها، وبدليل حادثة الغش الأخيرة، لم تُثمِر ولم تؤد إلى أدنى درجة من درجات الوقاية من الغش أو محاولة محاصرته أو معالجته.
استفحال الغش يؤكد أن المؤسسات التعليمية، في كل مكان وليس في الكويت وحدها، بحاجة إلى إعادة نظر في فلسفة التعليم بشكل عام وشامل، بمعنى آخر ماهو الدافع وراء التعليم، أو لماذا نُعلّم؟
فلسفة التعليم لا تعني تحسين أداء المعلّم ولا تغيير المناهج ولا تحفيز الطالب وحسب. هي فلسفة مُتكامِلة تشمل مهارات معرفية وسلوكية ومفاهيم تربوية عامة وشاملة كمفهوم القِيَم الإنتاجية مع الأخذ في الاعتبار دائماً المتغيرات الاجتماعية والعلمية والوطنية والتكنولوجية.
التعليم في العالم العربي لا يزال تحت العباءة القديمة نفسها التي تقوم على أساس أن التعليم في مُجمَله يعني شهادة تأهيل صالحة للعمل فقط، وبحيث اختلط الأمر هنا في أغلب دول العالم العربي بين التعليم والتأهيل حتى أصبحا مترادفين رغم الفارق، فأصبحت الدرجة الوظيفية مُقابِلة وبشكل مباشر لمؤهّل تعليمي مُحدّد وبغض النظر عن أي ظروف أو مؤشرات أخرى، وبالطبع انطبق ذلك على مؤشّر الراتب الذي أصبح هو الآخر خاضعًا لمعادلة الدرجة التعليمية، فالماجستير مثلاً تزيد الراتب بنسبة معروفة في سلّم الرواتب كذلك الدكتوراه وهكذا.
في ظل فلسفة تعليمية خاوية ولا تعكس أي قيمة معرفية أو علمية حقيقية، بقدر ما تُشَكّل حركة فوق سلّم الراتب والدرجة الوظيفية، يكون الغش سبيلاً منطقياً للتحصيل العلمي هنا، أو المُفتَرَض أن يكون علمياً. فالطالب في عالمنا العربي بشكل عام يَضَع نصب عينيه الدرجة الوظيفية والراتب اللذين سيوَفّرهما تحصيله العلمي ودرجاته في نهاية الطريق. ومن هنا حَدَثَ الانفصال بين التربية والتعليم، ولم تعد معها التربية الاخلاقية جزءا من التعليم والذي ضاعفت بيروقراطية الأداء من تدهوره، وأدى كل ذلك إلى انحراف المفهوم الأشمل للعملية التربوية وبكونها حاضنة أولى لأي مشروع تعليمي.
العالم من حولنا أصبح يولي اهتماماً أكبر لمراجعة فلسفة التعليم بشكل عام، فالجانب المعرفي من التعليم لم يعد أساسياً، وكما كان في السابق، ولم يعد المعلّم ولا المنهج هما المصدر الوحيد للمعلومة، فكل المعلومات التي يتم تلقينها للطالب اليوم، ويُطالَب هو بِحِفظِها واستيعابها حتى يتمكّن من تجاوز مرحلة تعليمية مُعيّنة أصبحت مُتاحة بالكامل وبنقرة إصبع فوق أي جهاز كمبيوتر، لذلك تحوّلت اليوم فلسفة التعليم إلى قضية فكرية تطرح أسئلة وتبحث في حلول منطقية وعملية وواقعية، وكما يحدث في اليابان مثلاً حيث يركّز اليابانيون على مبدأ الجد والاجتهاد أكثر من تركيزهم على الموهبة والذكاء الفطري للطفل، لذلك يتعلّم الطفل الياباني أن السبيل للوصول إلى وظيفة مرموقة هو الاجتهاد وبذل الجهد والمثابرة، هذا بالإضافة إلى ما يوفّره نظام التعليم في اليابان من تنمية الشعور بالجماعة والمسؤولية لدى الطلاب والمعلمين تجاه المجتمع المحيط بالبيئة الدراسية بدءاً بالمحافظة على المباني والأدوات التعليمية ووصولاً إلى العناية بالبيئة بشكل أوسع.
هنالك أسئلة جوهرية علينا أن نطرحها أولاً قبل محاولة إصلاح أي خلل، سواء تعلّقت بارتفاع حالات الغش، أو تدني مستوى المعلّم، أو الخلل في المناهج، أسئلة تشمل على سبيل المثال: ما الهدف من التعليم؟ وما دور الطالب في العملية التعليمية بشكل عام؟ ولماذا نقوم بتأسيس المدارس والمؤسسات التعليمية؟ أسئلة قد تبدو مُكرّرة من الوهلة الأولى، تتكرّر في كل المنتديات والمؤتمرات التربوية، لكن واقع الحال يقول إننا قد أخفقنا في الإجابة عنها بالشكل الصحيح، ولم نسعَ إطلاقاً لتنشئة المواطن الفضولي المهتم بالبحث والتحليل، بقدر ما خَلَقنا مواطناً شغوفاً بالغش لاجتياز مرحلة في الحياة لا أكثر.
وبينما تنص استراتيجية العلوم والتكنولوجيا اليابانية خلال القرن الحادي والعشرين على أهمية إعداد المواطن القادر على التفكير بصورة فردية مستقلة، لا نزال نحن مشغولين بتخريج آلاف الطلبة الغشاشين. لينقلب الحال من “مَن غشّنا فليس منّا”إلى”مَن غشّنا أصبح بيننا”.
