من عِلْم السعادة.. إلى قلق الموت

من عِلْم السعادة.. إلى قلق الموت
من مؤشرات التقدّم في العمر أنك تعرف من الأموات بعدد ما تعرف من الأحياء وربما أكثر.. نفقد بين حين وآخر أعزاء علينا.. أصدقاء وأقارب أحباباً.. قد يرحلون فجأة.. وقد يصرَعهم المرض حيناً.. وتمضي بنا الحياة ونحن لا نتوقّف طوال مرور أيامها عن طرح السؤال الوجودي حول معنى الحياة، وهو السؤال الذي أشغَلَ الفلاسفة والعلماء عِبر التاريخ.
قد يكون الفليسوف النمساوي.. “فيكتور فرانكل” من أكثر الفلاسفة شغَفاً في البحث عن معنى للحياة، وحيث نشر كتابه الشهير “رجل يبحث عن معنى للحياة” في عام 1945.. هذا الكتاب الذي ألهَمَ الملايين من الناس لاتخاذ موقف حازم للغاية.. موقف قائم على العَيْش مع قراراتنا الفردية.. فهو الذي كان يرى أن التصميم على تحقيق هدف ما في الحياة، والتغلّب على أي عقَبَة مهما كان حجمها، هو الأسلوب الذي سيُساعدنا على أن نكون واضحين بشأن أهدافنا في كل مرحلة من مراحل حياتنا.
“فيكتور فرانكل”، الذي عاش ظروفاً سيئة إبان الحرب العالمية الثانية.. حيث قضى سنوات في معتقل “أوشفيتس”، واستنتج وهو في سجنه.. أنه لا يوجد شيء أسوأ من إدراكنا أن معاناتنا عديمة الفائدة.. وأن الألم ليس أكثر من صدى لليأس، لذلك فهو يجد في المعاناة طريقاً لإيجاد هدف للحياة.. تكون معه معركة قبول الواقع تحدياً نحو تغيير موقفنا تجاه تلك الظروف السيئة.
عِلْم الوجود… هو شَق من الفلسفة يهتم بالأشياء غير المادية.. يبحث في مفاهيم كالمادة والطاقة والزمان والمكان والكَم والكَيف والعلّة والقانون والكينونة والوجود الذهني أو الوعي.. وكان أول من تحدّث في علم الوجود هم فلاسفة اليونان.. الذين كانوا يتصوّرون أن الوجود بأكمله أبَدي وثابت.. وأن التغيّر الذي نَلحَظَه في حياتنا اليومية لا يعدو عن كونه وهماً.
تطوّر بلا شك الفكر الوجودي مع بزوغ عصر الحداثة.. وظهرَت مدارس فلسفية تناولت مَنبَع التجارب البشرية المختلفة، كالخوف والقلق والموت والعدَمية.. وكان كانط.. وسارتر.. وغيرهما قد تحدّثوا في الإرادة البشرية الحرّة.. وغيرها من المفاهيم الوجودية، لكن يأتي كتاب “مارتن هيدجر”، الذي حَمَلَ عنوان “الكينونة والزمان”، ليُشكّل ثورة في الفلسفة الوجودية الحديثة.. وحيث أثارَت آراؤه نقداً شديداً.. فقد سعى “هيدجر” إلى صياغة فهم للوجود بصفة عامة، إلا أنه كان يرى تحديداً في كينونة الموجود البشري سبيلاً مشروعاً لِفَهم حقيقة الوجود بوجه عام. وقد قارَنَ بين فكرة الوجود الأصيل، الذي تشعُر معه الذات بأنها قائمة بنفسها.. وبين الوجود الزائف الذي تَهبط فيه الذات فتَميل إلى الانغماس في المجموع في سبيل التخلّص من القلق والخوف.
لم توفّر الفلسفة إجابة شافية لمعنى الحياة.. على الأقل بالنسبة لغالبية البشر.. وبقي السؤال عالقاً بين الفلاسفة وأهل العلم الذين يتصورون أن بإمكانهم اليوم طَرح أفكار عديدة حول مواضيع تتراوح من علم السعادة إلى قلق الموت، وإعطاء معنى أعمق للحياة، إلا أن كل هذه المحاولات، سواء من جانب الفلاسفة أو العلماء، لم تنجح في إسدال الستار عن السؤال الوجودي الأعمق.. حول معنى الحياة.
لذلك فإننا جميعاً نجد أنفسنا عند فراق الأحبة، أو مرض الأعزاء، مدفوعين لِطَرح مثل هذا السؤال الوجودي.
جميعنا إذاً في رحلة بحث عن معنى وقد تختلف أدواتنا.. لكن الهدف والمُهمّة يبقى واحداً.. فسؤال الوجود يتشارك في البحث فيه الإنسان العادي مع الفليسوف ومع رجل العلم كذلك.

