من حرك جبنتي؟

من حرك جبنتي؟
يأتي الخوف من التغيير كأبرز معوقات التطور والتحديث، وهو خوف متأصل في صلب الثقافة العربية، ويؤدي دائماً إلى تعثر الكثير من الخطط والمشاريع العربية سواء على المستوى الشخصي الضيق أو على مستوى الدول والعلاقات الرسمية، وبسبب ذلك الخوف تستمر أنظمة كأنظمة صدام حسين وغيره لعقود طويلة، وبسبب الخوف من التغيير يتجمد المسؤولون في كراسيهم ومناصبهم حتى بعد أن يجف عطاؤهم وينضب، ومع ذلك الخوف تتراكم القرارات الإدارية والسياسية في أدراج المسؤولين ويعجز التطبيق عن أن يحقق منها شيئاً، وقد سيطر ذلك الخوف من التغيير على أدبياتنا من شعر وفن وعبر وحكم فخرجت أهازيج مثل “ترى إحنا ما نتغير الله لا يغير علينا”.
وأصبح معها شعار “الله لا يغير علينا” شعاراً معتمداً على المستويين الشعبي والرسمي!
وفي مقابل ثقافة الخوف من التغيير هذه تأتي ثقافة الإصرار على التغيير، وهي ثقافة ساهمت ولا شك في كل ما يشهده الغرب من تطور وحضارة وتحديث في كل مجالات الحياة، فالخوف من التغيير في عالمنا العربي يقف وراء كل ما نعاني منه من فساد في أنظمة الحكم العربية، وعقم في مؤسساتنا السياسية والاقتصادية، وخواء في حياتنا الاجتماعية وهو السبب الذي يعيق مبادراتنا وقراراتنا ويحبسها إما داخل الأدراج المغلقة أو في العقول المتحجرة.
في كتاب صادر عن مؤلف “مدير في دقيقة واحدة” الكاتب الدكتور سبنسر جونسون بعنوان “من حرك جبنتي” Who Wored My Cheese يطرح فيه المؤلف فلسفة وثقافة التغيير من خلال قصة قصيرة ذات مغزى تدور أحداثها داخل متاهة تحوي العديد من الممرات المعقدة والمحيرة، أما الشخصيات الرمزية في القصة فهم شخصان وفأران، وحيث يواجه الجميع تغييراً غير متوقع جاء في انتهاء مخزون الجبن في زاويتهم، ويختلف تعامل كل من الشخصيات مع هذا الواقع الجديد، حيث ينجح أحدهم في البحث عن مخرج لهذه المشكلة ويأخذ بتدوين ما تعلمه في رحلة التغيير داخل المتاهة وتجربته في البحث عن مصادر جديدة للجبن الذي اختفى في الزاوية الأولى.
الكتاب كما ذكرنا مسبقاً عبارة عن حكاية رمزية ذات مغزى أخلاقي تعكس عمقاً في التفكير والرؤية، تبحث الشخصيات فيها عن “الجبن” مصدر غذائها وحيويتها.
أما “الجبن” فيأتي كرمز لكل الأهداف التي يرسمها الإنسان في حياته، سواء كانت وظيفية صحية، اجتماعية أو أهدافاً أخرى!
وتكون “المتاهة” رمزاً لكل المجالات في الحياة البشرية سواء مجال العمل، الأسرة، الشركة أو غير ذلك.
وفي النهاية تقف الشخصية التي نجحت في اقتحام مجاهل “المتاهة”، وبالتالي في تحقيق الهدف بالوصول إلى كميات وفيرة من الجبن، تقف هذه الشخصية كمثال على الشجاعة والإصرار في مواجهة التغيير والتعامل معه، ونبذ الجمود والقلق والتشتت الذهني والعاطفي عند حدوث التغيير.
فما أحوجنا نحن في العالم العربي بشكل عام إلى مثل هذه الثقافة والرؤية في التعامل مع التغيير، وكما جاء في هذه القصة الرمزية التي تدعو وبسلاسة في الأسلوب والمادة إلى اكتشاف البدائل عند الاصطدام بتغيير غير متوقع، حتى وإن اضطر الواحد منا إلى الخوض في مجاهل “المتاهة”، لأن ذلك سيكون حتماً أفضل من الجمود والتقوقع عند أطراف المفاجآت المتوقع وغير المتوقع منها، أو رفض ما جاءت به تلك المفاجآت من تغييرات وتحولات!
عند البوابة الرئيسية للمتحف العلمي في العاصمة البريطانية تواجه الزوار لافتة كبيرة كتب عليها “إن التغيير هو الحقيقة الوحيدة في الوجود”، وهو قول يشجع أهل الحكمة في البحث عن بدائل ومخارج لما يواجههم في الحياة ويحثهم على ضرورة عدم الاستكانة للموروثات من الفكر والعلوم والنظريات، وفي الوقت نفسه يؤهب هذا القول الخائفين والمترددين في مشوار الحياة إلى نظرية الحياة الدائمة بأن كل شيء سائر إلى التحول والتغيير.
