غير مصنف

منظمة الصحة والكوميديا السوداوية

[جريدة القبس 21/10/2020]

كثيراً ما يأتي تشخيص الدكتور لعارض صحي قد يصيبك بأنه نتيجة عدوى فيروسية، يصيبك توعّك أو خمول، فيقول لك الدكتور معاك فيروس، تصاب بإسهال فيخبرك طبيبك بأن ذلك ناجم عن إصابة فيروسية! بمعنى آخر، غالباً ما يلجأ الطب بشكل عام إلى الاستعانة بالتشخيص الفيروسي حين يصعب أمر اكتشاف المرض.
عالم الفيروسات شاسع وطويل، وقد فتح “كورونا” اليوم الباب أمام أغلب الناس حتى من غير المتخصصين للبحث في ماهية الفيروس وخصائصه وتاريخه وحقيقة مخاطره.
الفيروسات ليست كائناً دخيلاً، بل هي جزء من جسم الإنسان الذي يحتوي على ما يقارب العشرة آلاف مليار خلية، وما يعادل عشرة أضعافها من البكتيريا، وفي كل هذه الخلايا تقريباً توجد فيروسات، أو كما قال أحد علماء الأحياء، إننا كبشر نمثّل أقلية داخل أجسامنا.
لم تُكتَشَف الفيروسات إلا في نهايات القرن التاسع عشر، ولا يعني ذلك أنها لم تكن موجودة، وإنما كانت الشعوب فيما قبل اكتشاف الفيروسات علمياً تُفسّر الإصابة بها بطريقة ميتافيزيقية، حيث كانت الأرواح الشريرة والشياطين هي المُسبب الأول للأمراض التي تصيب البشر، لذلك يلجأ الأطباء المشعوذون إلى استخدام التمائم والتعويذات لطرد الأرواح المُسبّبة للأمراض، وقد كان ثَقب الجمجمة لإخراج الشياطين من العلاجات الشائعة في العصر الحجري الحديث.
الفيروسات إذاً هي جزء من تاريخ البشرية منذ أن خطا الإنسان فوق الأرض، وهي أوبئة مستوطنة سواء في الإنسان أو الحيوان أو النبات، وعلى الرغم من أن الإنسان قد نجح في محاصرة بعض أنواعها باللقاحات منذ القرن الثامن عشر، حين تم حَقن الناس بصديد ضحايا مرض الجدري، فإنها بقيت أقوى من قدرات الإنسان على المقاومة.
“كورونا” لا يختلف عن أي فيروس آخر ضرب البشرية، ولعل المبكي هنا هو الطريقة التي يتم فيها استخدام هذا الفيروس لأغراض مختلفة، ربما لا نزال نجهل دوافعها وإن كانت ملامحها قد أصبحت أكثر وضوحاً، فالذعر من المرض أصبح يفوق في خطره المرض بحد ذاته! فلقد اجتاحت وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي كوميديا سوداء باتت تُهدّد وبشكل مخيف صحة الناس العقلية، بعد أن جعلتهم يعيشون وباستمرار في حالة تهديد دائم على صحتهم ومستقبلهم قد تكون آثاره مدمرة وأكثر فداحة من الفيروس نفسه.
لا أحد يدعي على الإطلاق أن فيروس كورونا كذبة أو مؤامرة أو مصنّع، لكن الكثير أصبح يتوقف اليوم متسائلاً ومستفسراً عن منطقية الإجراءات التي اعتمدها المجتمع الدولي بقيادة منظمة الصحة العالمية، التي أصبحت وبكل أسف مصدر داء وليس دواء، ومبعَث ترهيب وتخويف أغلبه لا يستند إلى حقائق علمية موثّقة كما يجب، وإنما استنتاجات منحت منظمة الصحة حق إغلاق العالم بهذا الشكل، وفرض إجراءات وقائية أغلبها يفتقد المنطق وقابلية التطبيق، فالمنظّمة تشترط النظافة الجسدية وغسل اليدين باستمرار في ظل عالم يفتقد أغلب سكانه مياه الشرب النظيفة والصالحة! تُطالب المنظمة الناس بالتباعد الاجتماعي، وأغلب سكان الأرض يعيشون متلاصقين في مساكن وغرف صغيرة، هذا بخلاف ملايين البشر الذين لا يملكون أساساً رفاهية المنزل، وبالتالي التباعد الاجتماعي! توجّه منظمة الصحة الناس للعناية بالتغذية الصحية وتقوية جهاز المناعة بالحرص على تناول الفواكه والخضروات، وهو مطلب مُضحك مُبكٍ ولا يحتاج إلى تعليق.
علمياً الفيروسات لا تخضع لأي منطق أو قاعدة، وهي تتأقلم مع جسم الإنسان رويداً رويداً فتُصبح أقل ضرراً، لذلك يكمن الضرر الحقيقي اليوم في مشهد الكوميديا السوداوية التي يروجها الإعلام ومنظمة الصحة، وهم يعلمون أنهم لا يملكون أساساً حلاً تفاوضياً مع الفيروس.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى