الأدب والثقافة والفنقضايا الوطن

منطق ميخائيل نعيمة

منطق “ميخائيل نعيمة”

على الرغم من كل ما أثاره قرار إقفال معرض بيروت الدائم للكتاب من تعجب ودهشة، وعلى الرغم مما يثيره تحويل هذا المعرض إلى صالة لألعاب الكمبيوتر والإنترنت من آسى وأسف!! إلا أن أحداً لا ينكر أن ذلك القرار يعتبر دليلاً ومؤشراً على بداية انصياعنا كجيل أكبر لحجم ودرجة المتغيرات التي طرأت على ثقافة الجيل الجديد والقادم، وعلى التحولات التي عصفت بمفاهيم كثيرة طالت كل جوانب الحياة العلمية والاجتماعية وغيرها، حيث تغيرت الأولويات وتبدلت وسائل وطرق المعرفة والعلم!! بل ولم يسلم من تلك المحدثات العصرية شيء، حتى الأخلاق ومبادئها الأساسية، أصبحت عُرضة للتحول، وللصياغة الجديدة التي يفرضها ذلك القفز التكنولوجي الرهيب، واتساع رقعة العلم والطب والمعرفة والتي أصبح من الصعب جداً وضع حدود لها، أو احتواؤها!!
في حديث لـ “ميخائيل نعيمة” في العام 1959، أجاب رداً على سؤال وجهته إليه جريدة “الأنباء” اللبنانية آنذاك يقول: “هل تؤمن بمدرسة الشعر الحديث؟” قائلاً: “ليست القضية قضية إيمان، إنها واقع نشهده ونعيشه!! فالشعر الحديث لا يعدو أن يكون انتفاضة ضد سيطرة الشعر القديم، سيطرة كادت تكون مطلقة. وفي التخلص من تلك السيطرة ما يبعث الأمل بأنه لا يزال عندنا بقية من قوة الإبداع وخلق أشياء جديدة بقطع النظر عما إذا كانت هذه الأشياء ستعمر طويلاً أم لا”.. انتهى.
نحن كمجتمع كبار نتذمر دائماً من ذلك التبدل الملحوظ في اهتمامات الجيل الجديد الثقافية، ونقلق إلى درجة الذعر والخوف من تراجع دور الكتاب والقراءة بشكل عام لدى أبنائنا!! وهو بلا شك خوف مفهوم، لأن الكتاب كان ولا يزال نافذتنا الأولى نحو عالم المعرفة والعلم!! ونحن في غمرة خوفنا هذا لا نريد أن نقر بجدوى ما استجد من منافذ أخرى، أفرزها ذلك الوثب التكنولوجي، من كمبيوتر، وإنترنت وفضائيات!! حتى أننا لا نتوانى عن توبيخ أبنائنا ونهرهم عن الجلوس أمام الكمبيوتر، بينما قد لا نسلك السلوك نفسه لو أنهم أمسكوا بكتاب!!
لن يستطيع أحد أن ينكر أن هنالك لغة جديدة للمعرفة، وطرقاً وأساليب مختلفة تماماً عما عهدناه نحن جيل الأمس من طرق في إثراء الروح والعقل، أصبحت بالنسبة لجيل اليوم تقليدية ومملة!!
فثورة الكمبيوتر، قد أسقطت – من طريقها نحو تحديث العلم والمعرفة – الكثير من المُسلمات، والتي أصبحت تحاصر مفاهيمنا القديمة في التعليم والتأهيل الفكري والعلمي!! فأصبح الحديث اليوم يدور حول جدوى الوسائل والطرق التعليمية السائدة، وأهمية الهيكل التعليمي المعمول به الآن، من مدرسة، ومعلم ومناهج تعليمية، واختبارات تقييم وقياس للمقدرة العلمية للفرد!! خاصة بعد أن طالت تلك “المحدثات” التكنولوجية معالم كثيرة من حياتنا!! فأساليب الترفيه اختلفت، بعد أن اختفى دور وأهمية المشاركة الجماعية في اللعب والتسلية، فأصبح بإمكان الفرد أن يستمتع بوقته من دون شريك، وتحولت كل اللعب الجماعية، إلى أداء فردي، وأصبحت معها الشطرنج لعبة فردية، ولعب الورق عبر الشاشة الإلكترونية بدلاً من الطاولة، بل وحتى الحوار والنقاش أصبح عن طريق الكمبيوتر، دون الحاجة إلى حلبات النقاش وتجمع المنتديات الفكرية والثقافية!!
نحن بلا شك لا نريد أن نقف موقف المتشائم، أو العاجز من هذه التحولات المهمة والجذرية!! ونحن كذلك لا نريد أن نرفضها ونتجاهلها!! بل بالعكس، علينا أن نستعير حكمة “ميخائيل نعيمة” ومنطقه في التعامل مع الشعر الحديث!!
كذلك نحن لن نستطيع أن نفتعل السعادة لما طرأ على مُسلماتنا ومفاهيمنا الأولى، فإقفال “معرض بيروت الدائم للكتاب” قد أزعجنا وأحزننا بلا شك، وتحويله إلى صالة لألعاب الكمبيوتر والإنترنت قد أقلقنا وأربكنا!! لكننا بين هذا وذاك نبقى مدركين أن هنالك أموراً لا نرغبها ونملك أن نرفضها، غير أن هنالك في المقابل أخرى لا نرغبها، ولكننا لا نملك أن نرفضها!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى