غير مصنف

ملحمة.. مفرج نهار

[جريدة القبس 27/2/1995]

النزاع البرلماني الأخير، ولا نقول الاستجواب، لا بد وأنه قد دفع بالكثيرين في هذا الوطن إلى إطلاق التساؤل الملح دائماً، والذي طالما أثاره المواطن في حالات مشابهة للنزاع الأخير.. وهو تساؤل بشأن مفهوم الديمقراطية القائم في هذا الوطن.. أو بمعنى أوضح حقيقة وجدوى الدور الذي يقوم به مجلس الأمة.. باعتباره ممثلاً للتجربة الديمقراطية، وتعبيراً عن اقتناع الوطن بأفراده، وبضرورة وأهمية النهج الديمقراطي كأسلوب صحي لإدارة الحياة اليومية بعلاقاتها المتشابكة والعديدة!!
وقد يكون للمواطن كل الحق في التساؤل خاصة مع ما صاحب تقديم الاستجواب من إثارة مفتعلة.. بالإضافة إلى الأسلوب الهزيل في طرح الاستجواب خلال جلسة مجلس الأمة الأخيرة!!
قد يكون الاستجواب أثار ما أثار في نفس المواطن.. وإن كان في حقيقة الأمر قد جاء مؤكداً مبدأ أساسياً.. وهو في حقيقة السلوك الذي انتهجه الوطن نحو البناء الديمقراطي الحداثي!!
لقد كانت التهمة التي طالما وجهها المشككون في جدوى الديمقراطية، في مجتمعاتنا العربية عموماً، إنها تقليد غربي.. استقاه بعض الفلاسفة العرب في بداية الأمر. من فلاسفة الغرب من مثل “أرسطو” و”أفلاطون”.. ثم جاءت الهيمنة الغربية وسيطرة المؤسسات الثقافية الغربية في العصر الحديث، لتفرضه كتقليد خارج عن تقاليدنا وأعرافنا العربية!! وتستند تلك الآراء في شكوكها.. على فشل الديمقراطية في تنظيم الحياة الاجتماعية والسياسية.. في أي من الدول العربية!!
قد يكون في اتهامهم هذا شيء من الحقيقة.. فالديمقراطية هي -بالفعل- تقليد غربي!! وإن كان فشلها في مجتمعاتنا لا يعود إلى كونها تقليداً دخيلاً.. أو مستورداً، وإنما أساساً في أننا توقفنا عند رموزها الفلسفية..
بينما تطورت ديمقراطية فلاسفة الإغريق لدى الغرب بتطور المواطن، وبتغير الدولة والمجتمع!! فخرجت بذلك من إطارها الفلسفي إلى الإطار العملي الواقعي!!
فلسفياً، الديمقراطية في عالمنا العربي هي أسلوب آمن لتطوير وتحسين النظام السياسي!! بينما لا تزال الدول الديمقراطية العربية تعمل بنظام الـ ٪99.99 على إعادة انتخاب الرئيس.. إن لم يكن الاستفتاء العام قد قال برئاسة مدى الحياة!!
فلسفياً، الديمقراطية هي طريق لضمان العدالة الاجتماعية.. في حق العمل.. وحق التعليم.. وضمان الصحة البدنية والروحية!! بينما عملياً يعاني المواطن في ظل (الديمقراطية) العربية من بطالة لا نتفق مع ما تخرج أرضه من ثروات ومن جهل، ونسبة عالية في الوفيات!!
الأدبيات الغربية تزخر بالكتابات التي تنمي الحرية والمسؤولية والحس الديمقراطي لدى المواطن!! وتملأ الأفكار والجدل السياسي.. أشعار وروايات الكتابات الغربية!! بينما يعتقل المؤلفون في مجتمعاتنا.. ويذبح المفكرون.. ويطارد المبدعون.. ونصادر الكتب السياسية في سراديب مظلمة.. بينما تسود الصحف الهزيلة.. والكتب الضحلة الخاوية!!
النزاع البرلماني الأخير يكشف زيف الهوية الديمقراطية التي بحوزتنا.. والتي اكتسبناها بسلوكنا طرقاً متقطعة في تطبيق النهج الديمقراطي!! مشكلتنا أن الديمقراطية لدينا تبدأ من البرلمان وفي قمة النظام.. لا في أطرافه وجذوره!! قضيتنا أن الدستور الذي بحوزتنا هو صالح فقط للاستخدام في فض الخلاف البرلماني والجدل بين أعضائه.. على الرغم من أن مواده تشمل كل أمور المواطن اليومية!! فكم مواطن استطاع بالعقل أن يستخدم إحدى مواد الدستور لاستخدام حق مدون فيه.. أو للاستعانة به في وقف ظلم حل به!! لذا، فإن الذي جعل النائب مفرج نهار، يعرقل سير المجلس بأمور تأتي في نهاية سلم الأولويات بالنسبة لقضايا الوطن الملحة.. والتي وصل تفاقمها إلى درجة أن تفاصيلها أصبحت شبه غائبة أو مغيبة!! الذي جعل النائب يفعل ما فعل.. هو اعتقاده بأنه قادر على الاستفادة مما وفرته الديمقراطية من دستور وتشريع فقط وهو تحت قمة البرلمان!!
الذي أوصل الديمقراطية إلى هذا الطريق العقيم والمسدود.. هو أنها ما زالت تستمر وتصر على البقاء في قمة المجتمع.. وتلك مسؤولية يحمل منها المواطن الجزء الكبير!! فالديمقراطية ليست قانوناً ولا خطة ودستوراً وحسب.. وإنما هي وسيلة أولاً تسهل عملية تطبيق تلك القوانين والدساتير!! هي وعي من قبل المواطن أولاً لأهمية ذاته في تكوين الأدلة، لا الديمقراطية المستخدمة فيها وحسب!! واستمتاع المواطن بهذا الوعي.. هو الذي يجعله مالكاً للدستور ومستخدماً له.. ومانعاً لمهاترات من مثل ملحمة “مفرج نهار”.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى