
في العام الماضي، وفي مدينة جنيف، تمت دعوة عدد من الطوائف الدينية لمؤتمر شبه عالمي، حيث التقت تلك الوفود، من إسلامية ومسيحية ويهودية وبوذية وهندوسية، بهدف وضع قيود وحدود (أخلاقية) لهندسة الوراثة..
واليوم، ومع الضجة التي أثارها خبر استنساخ النعجة “دوللي”، تعود الأصوات من جديد مطالبة بعقد مؤتمرات مشابهة، بغرض محاصرة ذلك الانفتاح البشري المهول على أسرار النفس والجسد البشري. فتعلق.. أمريكا تحفظها حول تمويل البحوث في الاستنساخ البشري، وتوجه الدعوة إلى الأسرة العلمية للامتناع عن إجراء بحوث في هذا المجال.
تجارب الاستنساخ أو الـ (Cloning) ليست جديدة. بل أن بعض محاولات اكتشاف أسرار التكاثر البشري، والأسلوب الذي تعمل به الجينات، تعود إلى بداية هذا القرن. ولعلَّ أكثر التجارب العلمية في هذا المجال قد تم في معسكرات الاعتقال الألمانية، حيث دفع الطموح النازي للسيطرة بالقائد الألماني “هتلر” إلى تشجيع تجارب الجينات وخاصة الاستنساخ، في محاولة منه لفرض الملامح والصفات الآرية على الجنس البشري، وتحقيق حلمه العنصري بسيادة الجنس الآري.
عملية الاستنساخ أو الـ (Cloning) ببساطة تقوم على تفريغ محتويات بيضة مُلقحة من المخلوق المراد استنساخه، ثم إعادة تعبئة البيضة نفسها بمحتويات خلية متكاملة من مخلوق آخر من الجنس نفسه، مما ينتج عنه مخلوق جديد (مطابق تماماً) للمخلوق صاحب الخلية المتكاملة..
الاختراق العلمي في عملية الاستنساخ، هو في أنها عملية تختلف تماماً عن عملية التكاثر البشري المعروفة، حيث لا يتطلب الاستنساخ جنسين بشريين، بل واحداً وكما حدث في عملية النعجة (دوللي) التي أثارت الجدل مؤخراً. هي عملية تشبه الزراعة النسيجية التي أصبحت واقعاً نتعامل معه الآن بكل عفوية وطبيعية.
المخاوف التي عبر عنها البعض إثر افتراضات علمية سابقة ومشابهة في هندسة الوراثة، لها ما يبررها. فمحاصرة التجارب الوراثية، الجينية وعمليات الاستنساخ، عملية صعبة وغير مضمونة، خاصة أن المجتمع البشري قد حاول من قبل أن يحاصر التجارب النووية، واستخدامات السلاح النووي، وبحيث عُقدت مؤتمرات للحد من الاستخدام النووي اللاسلمي.. غير أنها جميعها قد آلت إلى الفشل حتى وصل العالم إلى ما نحن عليه الآن وأصبح السلاح النووي في متناول الجميع. وإذا كان السلاح النووي قد شكل خطراً على حياة البشر ووجودهم، فإن التجارب الجينية وتجارب الاستنساخ تشكل خطراً جسيماً على الحصيلة البشرية من الأخلاق والقيم والمعتقدات.. وتثير الذعر في قلوب الآمنين والمطمئنين لصيرورة الأشياء وقوانينها!!
النعجة “دوللي” هي حقيقة وواقع، لا مجرد وهم أو تصور. وحلم الاستنساخ أو (الخلود الجسدي) قد خرج من إطاره النظري، إلى المجال العلمي والتجاربي، والتهديد الذي رفعته بعض الجهات المختصة من مغبة الدخول في ذلك النفق، والإصرار على عدم تمويل الأبحاث في هذا المجال. كل ذلك لن يخلق حلاً ولن يقدم جواباً للتساؤل الحائر حول كيفية التعامل مع مثل هذه الاختراقات!! ويبقى المطلوب هنا، وسط هذه الدهشة التي اجتاحت البشر، أن تتضافر الجهود لملاءمة المخزون الأخلاقي البشري مع ذلك الاختراق المفاجئ والذي لن يتوقف لأن الطموح المعرفي البشري هو طموح بلا حدود، والفضول العقلي الإنساني سيبقى وسيستمر باحثاً، إلى أن يتم إرضاؤه!! ويعلم حقيقة وكيفية قدوم النعجة “دوللي”!!
