مفاوضات السلام مجرد هدنة

مفاوضات السلام مجرد هدنة
في أعقاب الحرب العالمية الأولى.. اعتقد الكثيرون أن العالم قد بدأ مرحلة استقرار طويلة.. خاصة بعد أن هدأت حدة الصراع الذي كان دائراً إبان فترة العشرينيات.. وأنشئت عصبة الأمم بموجب ميثاق شكل جزءاً من معاهدة فرساي التي نظمت الأوضاع الدولية الجديدة بعد الحرب العالمية الأولى، فكانت محاولة للحؤول دون وقوع حرب مستقبلية.. وخطوة إلى الأمام لتوثيق التعاون الدولي.. وقد ترجم الممثل البريطاني لعصبة الأمم ذلك التفاؤل.. حيث قال إن تاريخ البشرية لم يمر بمرحلة كالمرحلة الحالية والتي يشكل فيها احتمال وقوع الحرب احتمالاً ضعيفاً وبعيداً جداً. وفي يناير عام 1919 اجتمع 1038 ممثلاً عن سبع وعشرين دولة في باريس للاتفاق على تحديد معالم السلام المقبل.. وواصل صناع السلام الدائم للعالم.. ولم تخل الاجتماعات من بعض المتشككين في إمكانية نجاح تلك الجهود.. فقد أبدى أحد القادة الفرنسيين المشاركين في قوات التحالف آنذاك تشاؤمه.. عشية توقيع معاهدة فرساي في الثالث والعشرين من يونيو عام 1919 بقوله: إن هذا ليس سلاماً وإنما هدنة لعشرين عاماً.
وبالفعل.. فقد عجزت الاتفاقية عن تحقيق السلام الحقيقي.. واندلعت الحرب العالمية الثانية بعد عشرين عاماً من ذلك التاريخ. وكانت ألمانيا قد احتجت على مشروع المعاهدة واعتبرته مذلاً ومجحفاً بحقها.. ورفضت التوقيع عليها ما لم يجر تعديلها.. مما جعل الكثير من المؤرخين والساسة يرجعون قيام الحرب الثانية كنتيجة للخلل الذي لحق بمعاهدة السلام تلك.
وها هو التاريخ يعود ثانية.. ليسجل من جديد محاولة أخرى لخلق السلام أعقبت حرب الخليج.. إذا استطعنا مجازاً اعتبار حرب الخليج بمثابة حرب عالمية.. على أساس عدد ومكانة الدول المشاركة. وتختلف التكهنات حول مدى إمكانية نجاح السلام هذه المرة.. حيث يجيب البعض بالإثبات.. ويجيب آخرون بالنفي.. وسيان كانت الإجابة فإنها تأخذ طابع التشاؤم أو التفاؤل القدري بدون تعليل.
وها هي الجلسة الثالثة من مفاوضات السلام تبدأ في واشنطن وإسرائيل ماضية في تنفيذ سياستها في الأراضي العربية المحتلة.. دون أن يجرؤ أحد على إيقافها أو منعها.. ترفض كل ما يقدم لها من سلام.. لأنها تريد كل شيء.. وقبولها للسلام فيه التخلي عن بعض من ذلك الشيء. فهل يظلم طريق السلام.. أم أننا أخطأنا التقدير.. ولم يكن هناك طريق أصلاً!!
على الصعيد العام.. يمكن اعتبار السلام نتيجة منطقية لعاملين.. أحدهما التفكك الذي أصاب العالم العربي إبان أزمة الخليج.. والذي أدى إلى فقدان معالم الطريق للكثير من قضايا هذه الأمة.. والتي سيحدد كيفية التعامل معها مسارنا ووضعيتنا التاريخية كأمة عربية ولعدة أجيال قادمة. أما العامل الآخر فهو في التخلي عن المطالب الأساسية للشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.. سواء من بعض القادة والمسؤولين الفلسطينيين أو ممن آزر موقفهم.. هذا التخلي الذي يحوي تهميشاً واضحاً لمدلولات القضية الفلسطينية كقضية شعب ووطن وأرض.. في نفس الوقت الذي لم يطرأ فيه أي تجاوب أو تغيير في الطرح الإسرائيلي.. فسياسة الاستيطان مستمرة.. والغارات الوحشية على جنوب لبنان لم تخفت شراستها.. بل ازدادت حدة.. وغارة الأسبوع الماضي والتي راح ضحيتها إثنا عشر قتيلاً.. دليل واضح على التعنت الإسرائيلي.. وعلى الأسلوب الذي تزج به إسرائيل الدول العربية لقبول شروطها الاستسلامية.
فمنذ قيام إسرائيل.. وعلى الرغم من الجهود الدولية لإضفاء الشرعية على سياسة الاغتصاب.. إلا أن أجزاء كبيرة من الرأي العام العالمي استطاعت أن تدرك حقيقة الخدعة التي روجتها الدعاية الصهيونية حول ذلك البلد الصغير المسالم المحاط بالذئاب.. وبدأت دول كثيرة تدرك حقيقة الدور الذي تلعبه إسرائيل خاصة بعد اجتياح لبنان.. والممارسات الإسرائيلية اللاإنسانية في كبح انتفاضة الأرض المحتلة والتي كانت تبثها وكالات الإعلام العالمية.. إلا أن حماقة رئيس النظام العراقي في تهديده وضربه لإسرائيل أملاً بتشتيت الأنظار عن جريمته في الكويت.. جعلت الرأي العام العالمي يعود من جديد لتصديق رواية البلد المحاط بالذئاب.. وفي محاولة لاسترضائه تسابق العالم لتسليحه وإلغاء صفة العنصرية عن الصهيونية.. والتي كان قد وثقها قرار صادر عن الأمم المتحدة في العام 1975.. في الوقت الذي لا تزال صفة الإرهاب مقرونة بدول أخرى لإسقاطها طائرة.
إن إغفال شمولية القضية الفلسطينية من المعوقات الأساسية أمام أي محاولة لإحلال السلام في المنطقة.. فالصراع ليس عربياً إسرائيلياً فقط.. بقدر ما هو صراع إسلامي – يهودي.. له جذور وأبعاد تاريخية مرتبطة بماضي ومستقبل الأمة الإسلامية وليس الأمة العربية فقط.. فالصراع كان دوماً بين العرب وثقافتهم المنطلقة من الفكر الإسلامي من ناحية.. وإسرائيل وفلسفتها الصهيونية العنصرية من ناحية أخرى.. وإغفال دور الدول الإسلامية ذات الثقل السياسي في المنطقة كإيران والباكستان.. قد يكون عائقاً أمام أي محاولة للسلام.. إن لم يكن في المرحلة الحالية.. فإنه سيكون أكثر بروزاً مستقبلاً.. مع ازدياد عدم اليقين في مصير القدس أولى القبلتين لمسلمي العالم كافة. ولا ننسى أن نأخذ في الاعتبار هنا الجمهوريات الإسلامية التي أورثها تفكك وانهيار الاتحاد السوفيتي.. ومدى أثرها مستقبلاً في توجيه وقيادة الشارع الإسلامي.
قد يكون ميراث أحقاد السنين الطوال.. هو البند الوحيد الذي لن تستطيع وفود السلام مناقشته.. فعالمنا العربي بحاجة إلى أجيال وأجيال ليلقي عن كاهله تركة الشك والخوف والألم.. التي رسخها الوجود الإسرائيلي عبر الاغتصاب.. والاحتلال بالقوة.. والقمع.. واجتياح الأراضي بقصد تأمين الحدود.. بالرغم من سقوط كل مفاهيم الدفاع المقترنة بالأرض والحدود.. مع ظهور وسائل الحرب الحديثة.
لا أحد – قطعاً – يمقت السلام.. ولكن السلام القائم على أنصاف الحلول.. لا يؤدي إلى مجرد أنصاف النتائج.. بل يؤدي إلى الارتداد للخلف.. ليكون مجرد هدنة.. تعود معها تعبئة الجهود.. لصراع جديد قد يطول أو يقصر.. لكنه قد لا ينتهي.. ويبقى صفة مميزة لهذه المنطقة.. والتي كانت لعقود طويلة من التاريخ.. كالبركان يهدأ.. ليثور.. ولكنه يبقى.
