معركة مصحف

برحيل الداعية والمفكر الإسلامي الشيخ محمد الغزالي، يفقد الفكر الإسلامي والمكتبة الإسلامية علماً وركناً من أركانهما العتيدة!!
رحل آخر المعتدلين.. والذي أثرى المكتبة الإسلامية بمؤلفات قيمة تمت ترجمتها إلى اللغات الإنكليزية والفرنسية والروسية واليوغسلافية!!
رحل آخر المحاورين الإسلاميين، الذي كان راقياً ودمثاً في حواره مع المستشرقين من خلال كتبه مثل: “معركة المصحف” و”الزحف الأحمر” و”دفاع عن العقيدة والشريعة”!!، والتي استطاع من خلالها أن يدافع عن دينه وعقيدته ورؤيته بنزاهة وموضوعية لم يلجأ فيها إلى كلمة نابية واحدة، ولا إلى قذف وتشهير.. وتجريح وتهكم بالآخرين!!
رحل الغزالي، وكان قد سبقه بزمن قصير محاور آخر لا يقل وزناً ولا اعتدالاً عنه!! الأستاذ خالد محمد خالد، محاور إسلامي آخر.. كانت له بصماته الواضحة في الدعوة إلى الإسلام وفي الدفاع عن مبادئه بحكمة وبموعظة حسنة.. لا نراهما في مدعي الدعوة والدفاع عن الإسلام!!
في حوار له مع الكاتب يوسف إدريس.. ذكر الأستاذ خالد محمد خالد حكمة يحفظها عن ظهر قلب للمفكر الأمريكي “أمرسون” توجز مفهوم الدعوة لديه وأسلوبها..
تقول الحكمة: “لا تطلب على ولائك للحق ولا على فعلك الخير أجراً.. فإن أكثر الناس جهلاً بقيمتهما هو أعلاهم صوتاً في طلب الأجر عليهما!!
برحيل الشيخين، يفقد الخطاب الديني وجهاً من وجوه الاعتدال، والحكمة التي تجعل من الحوار أمراً ممكناً وأساسياً خاصة مع طغيان حوار العنف الذي أصبح سمة غالبة في الخطاب الديني!!
نحن الآن في أمس الحاجة إلى من يجيد لغة الشيخين وحكمتهما، ليفسر لنا كيف ولماذا يذبح المسلم أخاه المسلم!! لماذا أسقط الدعاة القرآن واستلوا السيف في دفاعهم عن العقيدة؟! لماذا أصبح الرأي الآخر دائماً كافراً ومارقاً وزنديقاً؟!
لقد ترجم الشيخ الغزالي أسس الدين الإسلامي من تسامح ورحمة ونبذ للعنف.. وذلك من خلال سلوكياته في الدعوة وفي الحوار!! ليأتي رحيله خسارة للجميع!! فالحوار الذي يرفعه بعض الدخلاء على الدعوة هو في أغلبه حوار مرفوض.. لكونه يفترض مسبقاً بأن الآخر كافر مارق.. ومرفوض! وهو أمر يشكل أولى عقبات الحوار والنقاش!! والتي قد تحولت في أغلبها – كما نرى الآن – إلى حوار جسدي عنيف!!
إن الدين سلوك وأخلاق قبل أن يكون ممارسة لشعائر وأوامر!! وصاحب الدعوة قدوة ومثل.. قبل أن يكون موظفاً.. وأجيراً!! وتلك جميعها أمور اختلطت.. لدى البعض إلى درجة أفرزت ما نراه اليوم ونشهده من مآس ومجازر نسبت نفسها خطأ إلى الإسلام والدعوة!! فالدعوة والموعظة هما حديث للآخرين ومع الآخرين!! وما يتطلبه ذلك من سلوك يحبب ويقرب.. ولا ينفر ويُبعد!!
ولقد عبر الغزالي، رحمه الله، عن ذلك السلوك الواعي في الدعوة والعظة من خلال أحاديثه وخطبه الدينية!! كما عبّر عنها الأستاذ الكاتب خالد محمد خالد، رحمه الله، في مقالاته وكتبه!!
ومن هنا كانت خسارة الفقيدين لنا كبيرة!! فلقد كانا عنصر الوصل.. والتهدئة بين متطرفي الرأي من كل الجانبين!! فهل يقفل باب الحوار بغيابهما.. كما قفل باب الاجتهاد بغياب الأئمة؟! سؤال ما علينا سوى انتظار الإجابة عنه.. آملين أن نحظى بمن ينتصر للدين لا للدنيا!! وتكون معركته مصحفاً.. لا رشاشاً!!




