غير مصنف

معالجات سطحية.. لقضايا مصيرية

[جريدة القبس 19/10/1993]

تابعتُ وكما تابع غيري جلسات المؤتمر التربوي النسائي.. والذي اختتم جلساته بإصدار عدة توصيات.. حرصت القائمات على تنظيم وإعداد الجلسات أن تشمل نواحي عديدة في الوطن.
ولتسمح لي اللجنة النسائية.. لاستكمال تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية.. والتي أعدت ونظمت المؤتمر أن أضع بعض النقاط على أحرف التوصيات الصادرة عن المؤتمر.
فلقد كان التناقض واضحاً في كلمات المؤتمرات.. حول ماهية الدور المنوط بالمرأة في المجتمع. فبينما حثت توصيات المؤتمر على “سن قوانين وتشريعات خاصة بالمرأة في مجال العمل الوظيفي، على النحو الذي ينسجم مع فطرتها ويعينها على القيام بواجباتها الأسرية”… فإن البحث المقدم من إحدى ضيفات الوطن المشاركات في المؤتمر.. يؤكد على أهمية “الاتصال بالنساء ذوات المناصب المهمة.. والعمل على استيعابهن ضمن صفوف الحركة الإسلامية. فالوصول إلى هذه المراكز المهمة، التي أكدت عليها المؤتمرة، يعني أن المرأة لا بد وأن تخوض كافة مجالات العمل الوظيفي مما يعني انتفاء ما يلائم فطرتها.. وينسجم مع وظائفها الأسرية.. وكما ورد في توصيات المؤتمر.. سيؤدي بالتأكيد إلى حصر المرأة في مهنتي التدريس والتطبيب.. التي رحب بهما المؤتمر كأكثر الوظائف ملاءمة للمرأة.. إضافة إلى دورها في “محاربة النصرانيات وغيرهن.. من استغلال وظائفهن كممرضات والتحريض على ترك الإسلام والتبشير بالنصرانية”.. وكما ورد في تحذير أطلقته إحدى المؤتمرات.. والذي يدل بلا شك على سذاجة وضحالة في أسلوب التطرق لأمية الدور الوظيفي للمرأة في المجتمع.
ومن المعالجات الساذجة لقضايا المجتمع.. والتي أفصحت عنها توصيات الجلسة الختامية للمؤتمر.. قضية الإعلام.. والتي هي من أكثر القضايا تعقيداً وحساسية.. فقد جاءت توصيات المؤتمر بالدعوة “إلى إحكام الرقابة على وسائل الإعلام المختلفة من تلفاز وإذاعة ومسرح ومجلات وملاحق والأشرطة المسموعة والمرئية لمنع التأثيرات السلبية على الطفل والناشئة والمرأة.. ووضع الضوابط لاستقبال أجهزة البث المباشر وغيرها من الوسائل الإعلامية المستحدثة”. وتلك دعوة لا تدعو إلى الانغلاق وحسب.. وإنما تُنكر على الفرد حقه المشروع في المعرفة.. وانتقاء ما يشاء منها مقروءاً كان أو مسموعاً.. أو مرئياً..
أما في ما يختص باهتمام المؤتمر بوضع ضوابط على زي الطالبات والمدرسات لمنع ما هو مخالف للزي الإسلامي.. فبالإضافة إلى كونه تعدياً صارخاً على الحرية الفردية والتي تقرها كل الديمقراطيات.. بما فيها ديمقراطية.. الشريعة الإسلامية الحقة.. والتي لم تخل آيات الذكر الحكيم من الإشارة إليها.. والتأكيد عليها.. تلك الحرية التي أكد عليها نبي الأمة.. وحرص الدعاة آنذاك على حق الفرد فيها.
وبالإضافة إلى تعارض وضع ضوابط للزي مع الحرية الفردية بصفة عامة.. فإنه جاء كمعالجة سطحية لقضايا هامة.. خاصة وأن تركيز المؤتمر على الزي قد جاء ضمن التوصيات المتعلقة بوزارة التربية.. والتي تنخر قضايا التخلف في أعماق جهازها التعليمي والإداري.
المؤتمر النسائي التربوي بوجه عام.. لم يطرح جديداً.. وإن كان طابعه الديني قد جاء مسيطراً.. إن كان من حيث اللجنة النسائية المنسقة للمؤتمر.. والمنبثقة عن اللجنة الاستشارية العليا للعمل على استكمال تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية.. أو من حيث المواضيع التي طرحت.. والتوصيات التي اختتم بها المؤتمر فعالياته.
كان بودنا جميعاً.. لو أن هذا الحشد النسائي الكبير قد تطرق لقضايا تشكل عناوين رئيسية في مأزق الوطن.. والأمة العربية والإسلامية.. بدلاً من أن تعالج توصيات المؤتمرات مظاهرها الخارجية.. وذلك بالطبع إيماناً منا جميعاً بأن المأزق التعليمي لن يحله إلغاء إلزامية مادة الموسيقى.. ولا تكثيف دروس التجويد والفقه.. وكما جاء في توصيات المؤتمر.. كما ولن يصلح النشء مراقبة الإذاعة والمسرح والتلفزيون.. وإصلاح المجتمع لن يكون بإعفاء النساء من ممارسة أعمال يرى المؤتمر أنها قاصرة على الرجال.
كان بودنا جميعاً لو أن المؤتمر أشار إلى قضايا هي أكثر إلحاحاً.. لكونها أساس أي عملية إصلاح..
بودنا لو أكد المؤتمر على محاربة الفساد.. وشدد على الإخلاص في العمل.. كركائز أساسية نحو خلق مجتمع أفضل.. فالله ورسوله معاً يحبان إذا عمل أحدنا عملاً أن يتقنه!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى