الأرشيف

معارك سياسية.. بعناوين تمويهية!!

[جريدة الطليعة 10/11/1999]

لن يستطيع أحد أن ينكر ذلك الامتداد الذي حققته جماعات الإسلام السياسي في هذا الوطن، والذي امتد فشمل كل نواحي الحياة والأنشطة البشرية اليومية!! ولا يشك أحد في طابع (الصحوة) السياسي، وفي أهداف (الدعاة) غير الدينية والتي تتفاوت بين أهداف سياسية واقتصادية وما نتج عنه من مؤسسات مالية واقتصادية، ونشاطات سياسية وفكرية وحزبية امتد بعضها إلى خارج أسوار الوطن!! وأيضاً لن ينكر أحد أن ما حققته تلك الجماعات من امتداد وتغلغل وانتشار قد جاء بفعل سيطرتها على التعليم وعلى الجهاز التربوي بشكل عام!! وهي سيطرة حققها هؤلاء بعد أن أطاحوا بخصومهم السياسيين من ليبراليين ويساريين، في معارك (وغزوات) سياسية بحتة لا دخل للعقيدة فيها، ولا يمكن أن يأتي الدين الإسلامي كطرف فيما أثاروه من معارك!!
لذا فإن افتتاحية مجلة “المعلم” الصادرة عن جمعية المعلمين الكويتية المسيّسة فكرياً ونهجاً، والناطقة باسم إحدى جماعات الإسلام السياسي، قد جاءت متناقضة مع أسلوب تلك الجماعات الذي أمّن لها الانتشار والهيمنة سياسياً واقتصادياً، والإطاحة بخصومها السياسيين!!
“جمعية المعلمين” تستنكر الدعوة إلى الإدارات المدرسية لجمع التواقيع المؤيدة للمرسوم الأميري المتعلق بمنح المرأة حقوقها السياسية!! وترى ضرورة “أن تكون الساحة التربوية بمنأى عن أي مستجدات سياسية تجر التربية ومدارسها إلى التسييس شيئاً فشيئاً خاصة في القضايا والمسائل التي لها ميادينها وساحاتها والمعنيون فيها من فئات المجتمع!!
بداية، إذا نحن افترضنا صدق نوايا أعضاء “جمعية المعلمين” ونزاهة حرصهم وخوفهم على الجهاز التربوي والتعليمي من جدلية السياسة وتقلباتها، فإننا لن نستطيع أن نبرر تحركهم الآن، والآن فقط وخوفهم المفاجئ على التعليم، حين لامس الأمر جزءاً من ثوابتهم، المتمثل في موقفهم من دور المرأة في المجتمع السياسي والاجتماعي بشكل عام، وهو موقف يرسخه أعضاء جمعية المعلمين، ومن يوافقهم في فكرهم السياسي في كل موقع وحادثة!! فالمرأة كانت ولا تزال، وفق منطق هؤلاء (التربويين) كائن ناقص العقل والهوية!! أما تصريحاتهم وإعلانهم حول الإشادة بدورها في المجتمع فلا يعدو عن كونه ديكوراً إعلامياً، ومجاراة شفوية مزيفة لمتطلبات العصر الحديث وشروط الانتماء إليه!!
أما إدعاؤهم بضرورة فصل السياسة عن التعليم، فهو ادعاء ناقضه ويناقضه أساساً رواد جمعية المعلمين، وحزبهم السياسي، الذي استطاع ومن خلال هيمنته على التعليم أن يحقق مكاسب سياسية وانتشاراً كبيراً!! بل ولم يسبق للسياسة أن سيطرت على التعليم بالصورة التي نشهدها الآن وكما حدث منذ سيطرة ذلك الحزب الإسلامي السياسي على جمعية المعلمين الكويتية!! حيث اصطبغت المناهج التعليمية بصبغة حزبية واضحة، بدت جلية حتى في بعض المفردات المستخدمة في بعض المناهج، وتدخلت السياسة في المقررات في مقابل التركيز على ما تراه الجمعية أكثر ضرورة وأهمية، حتى وإن لم تتوافق تلك الرؤية مع الاستراتيجية التربوية التعليمية بشكلها العام والشامل!!
لقد أصبح من الملفت للانتباه، تلك الحساسية المفرطة لدى جماعات الإسلام السياسي تجاه أية إشارة أو تلميح إلى طموحاتها السياسية، أو حتى الرمز إلى انتمائها إلى فكر أو تيار سياسي معين، وهي حساسية تعود إلى سيطرة طموحاتهم السياسية مؤخراً بصورة طغت على خطابهم الديني العقائدي والذي طالما تخفى هؤلاء وتستروا به!! مما جعلهم يمارسون عمليات إسقاط كالتي نشهدها الآن، من خلال ثورتهم على إقحام السياسة أو المبادرة الأميرية المتعلقة بحقوق المرأة السياسية، في التعليم والتربية!!
لقد سبق أن حذر الكثيرون من درجة النفوذ التي أصبح عليها تيار الإسلامي السياسي، كما سبق أنذر تربويون من مغبة هيمنة هذا التيار وسيطرته على التعليم والتربية في هذا الوطن!! لأسباب أهمها على الإطلاق غياب الحس والقناعة بالحرية وبالنهج الديمقراطي كسلوك وكأسلوب ناضج في التعبير عن الاختلاف لدى ذلك التيار بشكل عام!! ولعلّ الدليل على ذلك واضح من الطريقة التي عبر من خلالها رموز ذلك التيار عن (اختلافهم) مع وزير التربية حول الدعوة إلى جمع التواقيع المؤيدة للمرسوم الأميري!! حيث حملت طريقتهم تلك تهديداً مبطناً للوزير بضرورة رفع يديه عن (رقعتهم) التربوية وثوابتهم الفكرية!!
هي إذاً ليست بقضية تسييس التعليم والتربية وكما صورتها مجلة المعلم الناطقة باسم جمعية المعلمين الكويتية التابعة بدورها لإحدى جمعيات الإسلام السياسي!! وإنما هي قضية اقتحام معقل من معاقل تلك الجمعية، وعلى يد أحد خصومهم من التيار الليبرالي الحر!! فهل تكون هذه بداية لسقوط أهم معاقل الإسلام السياسي!! وتحدث المجابهة المنتظرة!! أم يتجمد الجميع عند حدودها الهامشية، وتبقى المعارك السياسية بين تلك الأطراف، بعناوين مزيفة وتمويهية؟!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى