الأدب والثقافة والفنقضايا الوطن

معادلة الدكتور الربعي

معادلة الدكتور الربعي

“كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة”، رؤية صائبة وحكيمة كنت في أمس الحاجة إليها وأنا أصارع ألماً ضاقت معه العبارة إلى درجة الصمت فأقرأ “أربعائيات” العائد إلى أحضان الكلمة الدكتور أحمد الربعي، وأتلمس في ضوئها مغزى للكثير من الصور المقلوبة التي نواجهها في حياتنا!
من منا يسير في قاطرة الحياة بلا ألم؟ ومن منا لم يمارس الفرح في أحد معابر الحياة العديدة؟! لكن ذاكرتنا غالباً ما تسقط الفرح وتتشبث بالألم لأنه يبقي، المعايير البشرية، الأرق والظلام اللذين يبددان كل شعاع الدنيا وضياءها!
فهم المعادلة بين الروح والجسد، كما يذكرنا بذلك الدكتور الربعي، هو قمة الحكمة والنضج ولعل إخفاقنا في أن نتحكم بتلك المعادلة هو السبب وراء كل معاناتنا وأزماتنا مع شقينا الروحي والجسدي! فكم من أناس عاشوا حياتهم أجساداً بلا أرواح في مقابل آخرين أفنوا حياتهم أرواحاً تكاد تخلو من معالم الحياة المادية المحسوسة!
قديماً وعبر التاريخ أمعنت الفلسفات على اختلاف مصادرها في صياغة مفاهيمها ورؤاها لفحوى العلاقة بين الجسد والروح، بعضها يصر على رسم فواصل حادة وحازمة بين الكيانين، وبعضها الآخر يرى في اتحاد الروح والجسد وانصهارهما قمة الإبداع ولب الحقيقة الكامنة في النفس البشرية!
ولعل أكثر الفلسفات إمعاناً في تحديد أطر تلك العلاقة بين الروح والجسد هي الفلسفة البوذية التي تصنف الوجود وكل ما يتحرك في فلكه وتقسمه في كيانين: الأنثى من ناحية والذكر من ناحية أخرى، أو الروح من ناحية والجسد من الناحية الأخرى، وكلما زادت العلاقة إلى حد الانصهار تجلت كل مقومات القوة والعنفوان والكمال!
وترى الفلسفة البوذية أيضاً أن معاناة البشر وآلامهم هي بسبب عملية الفصل التي يمارسها الإنسان دائماً في تعامله مع روحه من جهة وجسده من جهة أخرى، بصورة انعكست على تعاملاته مع سائر شؤون حياته، فأصبحت الثنائية في التصنيف هي المبدأ الذي استقر في الوعي الإنساني؛ الخير مقابل الشر، والسعادة مقابل الشقاء، والفرح مقابل الحزن، والألم مقابل اللذة وهكذا! بينما كلها في الحقيقة ذات منبع واحد بل هي في واقع الأمر مترادفات وليست متضادات.
إن الألم الذي تعرض له دكتورنا الفاضل هو ذاته الأمل الذي جعله يختزل رحلة المعاناة ويجعلها رحلة تأمل عززت قريحته وقوت جسده. وذلك حين قرر أن يفهم المعادلة بين الروح والجسد، بين إرادة التحدي ومشارط الأطباء وغرف العمليات ودفن الأحبة في المقابر، وبين إرادة السيطرة على الذات والتمسك بروح التفاؤل والابتسامة، مكامن القوة الهائلة في داخله.
المؤسف أننا كبشر، لا ندرك تلك المعادلة إلا حين تصدمنا الأقدار أو هكذا يخيل إلينا بفعل رؤيتنا القاصرة لوحدة الأمور والأحداث ولا ندرك أننا أقوى من كل صنوف الألم، ففي داخلنا جميعاً كم هائل من الطاقة والقوة يجعلنا، إن نحن أردنا، قادرين على تطويع الحزن ليصبح فرحاً، والألم ليتحول أملاً، والموت لأن يكون حياة!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى