شئون خليجية

معادلة التحرير والاستقلال

جريدة الطليعة 1997/1/8

في كتابه “الاستقلال” الثاني يتحدث الكاتب والمناضل التونسي “منصف المرزوقي” عن نضال جديد من معادلة التحرر في العالم العربي. حيث يرى “المرزوقي” أن أجدادنا وأبناءنا قد أخفقوا في نضالاتهم. فعلى الرغم من أنهم قد استطاعوا بفضل تضحياتهم أن يفرضوا تحقيق استقلال أوطانهم، والذي كان منتهى آمالهم في التحرر والكرامة، إلا أنهم قد أدركوا فيما بعد، أو قد نكون نحن أدركنا الآن، أن مرحلة واحدة فقط من سيادة النُخب الوطنية فيما بعد التحرر، تؤكد أنه ما زال للنضال بقية، وأننا كشعوب قد حققنا الجزء الضروري من معادلة التحرر، وبقي أن نحقق الجزء الكافي.
ويُعرف “المرزوقي” الاستقلال بأنه قدرة اتخاذ القرار الوطني وتنفيذه، دون ضغوط أو إكراه من قبل أي قوة خارجية وذلك لتحقيق جملة من المنافع المشروعة للمجموعة الوطنية التي تحتل رقعة معينة من الأرض.
لا شك أن الأحداث الخليجية المؤسفة والعلاقات المتوترة بين دول المنطقة من شبكات تجسس إلى لجوء سياسي إلى مشاحنات ومشاكل داخلية، كل ذلك يؤكد حقيقة وصدق معادلة “المرزوقي” في التحرر والاستقلال.
لقد عبرت المنطقة العربية بوجه عام، بفترات نضال ساهم فيها أفراد، عمدت فيما بعد مجتمعاتهم وأوطانهم إلى تزييفها، سواء كان ذلك من خلال تزييف حقيقي للتاريخ، أو كان في عزوف متعمد عن تحقيق أهداف وأحلام أولئك المناضلين. وعلى الرغم من أن دول الخليج لم تمر بنضالات مشابهة في طبيعتها لنضالات أقرانها من العرب، إلا أننا لا نستطيع أن نُنكر أن هناك نضالاً فكرياً وثقافياً ساد دول الخليج قبل أن تحقق استقلالها من الحماية الغربية. لكنها – أي دول الخليج – كما الدول العربية الأخرى، لم يحقق استقلالها تنمية أفضل، ولا حرية أوسع ولا تقدماً شاملاً. بل كان استقلالها استقلالاً أولياً، طال النخب الوطنية، وتمتع المناضلون فيه بدور الرعية لا أكثر.
ومن هنا فقد جاءت الخلافات الخليجية الأخيرة متلائمة مع حجم وطبيعة الاستقلال الأول، وما فرضه من أدوار ومهام.
هنالك بلا شك قضايا خلافية بين منظومة دول الخليج، وهنالك مشاكل حدود. غير أن هنالك أيضاً أرضية مشتركة واسعة، وعلاقات مصيرية راسخة، ووحدة مجتمعية بإمكان الأنظمة الخليجية استثمارها لفض كل النزاعات والقضايا. فمقومات التشابه والتكامل بين دول المنطقة، تجعل من الخلافات التي تُثار بين الحين والآخر، قضايا نُخب وأنظمة أكثر منها قضايا شعوب ومجتمعات.
لقد تراجعت خطط التنمية في الخليج، وتعطلت مشاريع الديمقراطية والحرية، والإعلام الحر الناقد لأسباب تتعلق مباشرة بطبيعة ذلك الاستقلال والتحرر، وحدودهما الضيقة في الدول الخليجية، والتي لم تتجاوز النخب السياسية والاقتصادية، من التي جندت كل طاقاتها للحفاظ على ذلك الاستقلال المحدود.
وبحيث لم يتعد إنجاز تلك النخب وفي المجتمع الخليجي بوجه عام، عن محاولات دؤوبة للحفاظ على ذلك الاستقلال الخاص والفردي.
إن الدولة القوية، هي لا شك تلك الدولة التي تستطيع أن تمتد باستقلالها ليشمل المجتمع بأفراده، وأن يكون تفاعلها مع المجتمع وأثرها فيه بقدر تأثرها به والانصهار بقضاياه، وتلمس مصالح المواطن فيه، وهو أمر لا يمكن تحقيقه إلا بالديمقراطية نهجاً وسلوكاً، وثقافة، وبمزيد من التفاعل والتأقلم بين “النخبة والرعية”.
الاستقلال، وكما ذكرنا في بداية حديثنا هذا هو القدرة على اتخاذ القرار الوطني وتنفيذه دون ضغط أو إكراه من قبل أي قوى خارجية، وهو ما لم يحدث في دول الخليج بصفة خاصة ولا في أي مرحلة من تاريخنا الحديث. حيث بقي القرار وطوال مرحلة الهيمنة البريطانية على المنطقة، قراراً منوطاً بالمصلحة الغربية الضيقة، وبعيداً عن أي مصلحة وطنية شاملة!! وليستمر فيما بعد مرحلة الاستقلال قراراً، نخبوياً، قاصراً على تعزيز وتثبيت الأنظمة السياسية القائمة، بصورة أصبحت طاغية مؤخراً على أي منحى أو هدف وطني جماهيري خالص، خاصة وأن أغلب ما يصاغ من قرارات الآن لا يزال يصب ولو بصورة غير مباشرة في مصلحة قوى خارجية، وبنفوذ تلك القوى أيضاً!! مما يشكك في حقيقة خلو القرارات الوطنية من أي ضغوط أو إكراه خارجي!!
إن قضايا العمل العربي المشترك، أو قضية توحيد القرار والفعل الخليجي ستبقى جميعها أسئلة مفتوحة وعالقة!! وهو أمر يدفع بمشروعية تساؤلات “منصف المرزوقي” في كتابه الذي يرى من خلاله أن الاستقلال الأول كان استقلال الدولة ولم يكن استقلال الشعب، وأن استقلال الشعب هو الضامن الأوحد لدخولنا عربياً وخليجياً سوق الشبكة (العلاقاتية) كأطراف مسؤولين، لا كمتسولين!!

الطليعة 1997/1/8

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى