
ما زالت الكويت تعيش إرهاصات الانتخابات الأخيرة، التي احتلت أخبارها عناوين صحف عالمية وعربية، ليس بسبب التغيير الذي حدث في هوية مجلس الأمة، وإنما بسبب المشاركة الكثيفة وغير المسبوقة رغم كل الظروف الصحية والمناخية، وذلك عادة ما يكون معياراً في تقييم أي انتخابات.
ضمن المشاهد اللافتة في انتخابات مجلس 2020، ما جاء على هيئة تغريدة لفتاة مطيرية قلبت موازين الدائرة الخامسة، التي عادة ما يكون من الصعب اختراقها.
التغريدة جاءت من فتاة مهندسة تقول فيها رداً على إقصاء حقها وغيرها في الاختيار بسبب انتخابات فرعية تم فيها استثناء أحد المرشحين المؤهلين بعد أن أخفق في تحقيق نجاحه في الفرعية.
تقول هذه الفتاة في تغريدتها: “أنا مطيرية وماني ملزومة بنتيجة فرعيتكم يا مطير، والأغلبية لنا نحن النساء، أصواتنا أكثر من أصواتكم وإن كنتم أنتم الرجال ما همتكم الديرة ومستقبلنا ومستقبل عيالنا ولا حكّمتوا عقولكم، فالكلمة الأخيرة لنا” (انتهى).
ردود الفعل على تغريدة هذه الفتاة جاءت فلكية بالأرقام وبالتفاعل وبحيث فاز مرشحهم على الرغم من سقوطه في “تشاورية” القبيلة.
إن أبرز ما حققته الانتخابات الأخيرة قد جاء في ما خلّفته من متغيرات جذرية في الممارسة الانتخابية بشكل عام، وذلك بلا شك يشكّل قفزة نوعية قد لا يدركها من هو خارج نطاق الانتخابات في الكويت، التي بقي الانتماء القبلي والطائفي من أبرز معوقات تطورها. هي خطوة نحو التنقيح نتمنى أن يدركها المواطن ويرسّخها كمعيار للممارسة الناضجة في الاختيار مستقبلاً.
واضح من المُخرجات الأخيرة أن هنالك خروجاً وتمرداً للناخب القبلي من عباءة الفرعيات، خصوصاً لدى النساء اللاتي كنّ حاضرات وبقوة في الدائرتين الرابعة والخامسة.
لم يكن مثل هذا التمرد قاصراً على القبائل وإنما مارس إخواننا الشيعة توجهاً مشابهاً، حين استبدلوا خيارات وطنية ذات طرح بعيد عن الطائفة والمذهب ببعض الطائفيين.
مشكلة الانتماء؛ طائفياً كان أم قبلياً، ليست مشكلة أفراد وإنما هي قضية قوانين يُفترض أن تضمن احتواء جميع المواطنين في قالب واحد، لكنها بقيت، ولأسباب عديدة، مُغيّبة في أغلب الأحيان.
لدينا دستور يُجرّم الجنوح للقبيلة أو الطائفة على حساب الوطن، لكن بقي وبكل أسف خارج نطاق وعي وممارسة البعض.
من المؤكد، وكما رأينا في الانتخابات الأخيرة، أن التغيير لا يأتي إلا من قاع المجتمع، فالقوانين، وحدها، لن تستطيع، مهما بلغت حصافة صياغتها، أن تخلق الوعي، الذي هو في نهاية الأمر عملية تراكمية وسلوك يحصّنه الزمن ويرعاه. ونحن الآن في الكويت أصبحنا نعوّل على مثل هذا الوعي الذي مكّن فتاة قبلية من أن تقلب موازين دائرة محصّنة كالدائرة الخامسة. ولعل من قلب هذا الوعي تداركت الطوائف في الكويت خطر الانزلاق في مأزق الاصطفاف لغير المصلحة الوطنية البحتة.
كل ما نتمناه أن يصل مثل هذا الوعي إلى الحكومة بكل عناصرها، فهي في النهاية تتحمل وزر ذلك، بعد أن رعت، ولسنوات طويلة، مثل هذه التقسيمات القبلية والطائفية، ووظّفتها سياساً بشكل أصبح مهدداً وبصورة جادة أمن الكويت واستقرارها.
اليوم نحن بحاجة إلى مئات الفتيات من مثل فتاة الدائرة الخامسة، ولنفس هذا الرقم من مثل الدكتور حسن جوهر، الذي فاز بأصوات سنة وشيعة وحضر وبدو ليصبح نائباً باسم أهل الكويت جميعهم.
