الأرشيف

مطلوب حملة “ممنوع المخدرات”

[جريدة القبس 23/12/1996]

في حلقة نقاش لمجموعة من طلبة الجامعة حول قضية المخدرات في هذا الوطن، هالني ذلك التأكيد من قبل الطلبة على نفوذ مروجي المخدرات في داخل المدارس، وعلى القدرة الكبيرة لهؤلاء في التحرك بيسر وسهولة داخل جموع الطلبة، وعن الأموال التي بحوزة المروجين، والذين هم غالباً ما يكونون من الطلبة أيضاً، ومنتظمين في المراحل التعليمية المختلفة، وهو أمر لا شك يتناقض مع التأكيد الذي أعلنه مدير عام الإدارة العامة للجمارك، حول عدم التساهل أو الواسطة في التعامل مع المهربين والمروجين كذلك.
قضية المخدرات، قضية عالمية، تعاني منها مجتمعات الوفرة، والمجتمعات الاستهلاكية بشكل خاص. هي نتيجة لظروف اجتماعية خاطئة، وليست سبباً. وهي نهاية طبيعية لأخطاء في البناء المجتمعي بشكل عام، ولمعطياته الاقتصادية والسياسية بصورة تدفع بحتمية تلك النتيجة، لقد انحصرت كل محاولات الحد من المخدرات ومحاربتها، في نطاق القوانين والتشريعات، وسواء كان في هذا الوطن أم في أي من المجتمعات التي أصبحت تعاني من داء المخدرات، فإن القضية هي دائماً قضية قوانين.
مشكلة المخدرات ليست مشكلة قوانين، خاصة وأن تصريحات المسؤولين عن مكافحة هذه الآفة، سواء من وزارة الداخلية أم من الإدارة العامة للجمارك، كلها تؤكد على وجود قوانين ولجان للمتابعة، وهيئات مختصة إلا أن ذلك لم يقنن من استخدام المخدرات، ولم يطرح حلولاً لهذه المشكلة.
لقد بدأت الولايات المتحدة، والدول الأوروبية في البحث عن أساليب فاعلة للقضاء على آفة المخدرات، بخلاف القوانين المكتوبة والعقوبات التي تقرها تلك القوانين، خاصة بعد أن أدركت تلك المجتمعات، قصور القوانين وعدم فعاليتها في التصدي لمافيا المخدرات، والتي غالباً ما تكون أكبر وأقوى من أي قانون يصدر بهذا الشأن، وهو أمر نعاني منه أيضاً في هذا الوطن، حيث يبقى أباطرة المخدرات فوق الشبهات وبعيداً عن صلاحية وسطوة القانون، وبحيث لم نسمع يوماً عن عقوبة فرضها القانون بحق أي من المسيطرين على تجارة وتوزيع المخدرات بل غالباً ما تكون المداهمات لأوكار المستخدمين لتلك السموم والمتعاطين لها، وتلك قضية تعاني منها كل حملات المكافحة سواء أكان ذلك في هذا الوطن أم في مجتمعات أخرى.
المخدرات تماماً كتجارة السلاح، لها أربابها وسلاطينها المحصنون ضد أي قانون أو عقوبة، بل لقد أصبحت تجارة المخدرات من الأعمال المربحة، بعوائدها الخيالية التي مكنت أصحابها من بناء إمبراطورياتهم المحصنة.
من الأساليب التي لجأت لها المجتمعات الصناعية، ما يتعلق بدراسة أسباب اللجوء للمخدرات.. حتى لقد ذهبت بعض تلك المجتمعات إلى درجة السماح ببعض الأنواع من المخدرات ذات المصدر النباتي، في محاولة منها لتقليص نسبة تعاطي المخدرات ذات التكوين الكيميائي، والتي تشكل خطراً فادحاً على الصحة العقلية والبدنية، وتدفع بأمراض وبائية كالإيدز مثلاً.
كما تأتي برامج التوعية كأحد الأساليب المتبعة في مكافحة المخدرات، توعية مكثفة ومتواصلة.. كالتي أعلنتها المجتمعات في شتى أنحاء العالم على التدخين، والتي أثبتت فعاليتها في تقليص عدد المدخنين، وتحديد أماكن التدخين، برامج التوعية في هذا الوطن، هي لا شك موسمية لا تتعدى كونها ردود أفعال تجاه بعض الحوادث الأمنية التي سببها التعاطي والإدمان، وبحيث ما أن تحدث جريمة بسبب المخدرات، فإن الأصوات ترتفع محذرة، وتعقد الندوات وتشكل اللجان للتصدي لتلك المشكلة، فبحسب تصريح رئيس التوعية الصحية بوزارة الصحة، فإن الندوة الأولى للتوعية بمضار المخدرات قد عقدت في العام 1980، دون أن يعلن وحتى الآن موعد الندوة الثانية!
الأفعال إذاً لا ردود الأفعال هي المدخل الأساسي نحو الحد من استعمال تلك الآفة. والمطلوب التعامل مع أسباب التعاطي قبل التعامل مع المتعاطين، ودراسة مشكلة المخدرات بكونها مشكلة اجتماعية، لا قضية فردية، ومشكلة تطال المجتمع بأكمله، لا أسرة أو فرد وحسب!!
لم تعد قضية المخدرات، قضية جانبية نتابعها عبر شاشات التلفزيون والسينما، ونسمع عن آثارها السلبية ومضارها في مجتمعات بعيدة ونائية، بل أصبحت قضية مؤلمة تخص كل فرد، وكل أسرة وكل مدرسة، كما أن أخطارها على المجتمع لم تعد أخطاراً أمنية وحسب، بل هي أخطار اجتماعية واقتصادية، تتطلب منا جميعاً إدراكاً.. ووعياً وفعلاً وحملات موجهة ترفع شعاراً “ممنوع المخدرات” كما رفعنا من قبل “ممنوع التدخين”!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى