الأدب والثقافة والفنقضايا الوطن

مشكلة الأخلاق في العالم الإسلامي

مشكلة الأخلاق في العالم الإسلامي

من المأثور عن الشيخ محمد عبده عندما ذهب إلى مؤتمر باريس عام 1881 ثم عاد فيما بعد إلى مصر، أنه قال حينها مقولته الشهيرة: “ذهبت إلى الغرب فوجدت إسلاماً ولم أجد مسلمين، ولما عُدت إلى الشرق، وجدت مسلمين ولكنني لم أجد إسلاماً”.
المقولة عَكَسَت واقعاً في ذلك الوقت، لكن مثل هذا الواقع أصبح اليوم مضاعفاً ونحن نحصد فساداً وتراجعاً في الأخلاق والقيم والذوق العام في أغلب بلاد المسلمين، مما يجعلنا بالضرورة نتساءل هنا عما إذا كانت هنالك علاقة سببية بين عملية تكثيف الوعظ والإرشاد الديني وتوجيه العامة بالشكل الذي أصبح ملحوظاً وسائداً في العقود الأربعة الماضية وبين الخلل في الأخلاق والقيم والذوق العام الذي نعيشه اليوم.
حين قالها محمد عبده آنذاك لم تكن دولنا بهذا السوء الذي نشهده اليوم، وهو- أي الشيخ محمد عبده ــ لا بد أنه قد ذَكَرَ ما ذَكَر بعد أن لمس عن قُرب كيف أن الشعوب غير المسلمة تَحكم سلوكياتهم قيم أخلاقية رفيعة كالصدق والأمانة والنظام والنظافة والإخلاص واتقان العمل وهكذا.
من اللاإنصاف قطعاً اتهام أي عقيدة بكونها سبباُ وراء تراجع الأخلاق، وفي حالة ما استشهد به محمد عبده فإن اللوم هنا حتماً لا يقع على الإسلام كعقيدة قائمة أساساً على الأخلاق “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق” وإنما هي على المسلمين وممارسات معظمهم الخاطئة للدين وأصوله واشتراطاته.
اليوم يقف جيل بأكمله في مواجهة معادلة معقّدة يصعب فهمها، فالمساجد في كل الدول الإسلامية تُقيم الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، والمنابر تصدح بالدعوة إلى التمسّك بالأخلاق والقيم والتسامح، لكن في المقابل ينتشر الفساد والتحرّش الجنسي وتخرج علينا من منابر إسلامية ومن مساجد تكبيرات الجماعات المتطرفة أثناء نحر أو ذبح أو تفجير من يُطلقون عليهم اسم الكفار.
هذا الجيل اليوم يقف على مُفتَرَق طرق بين إسلامَيْن مختَلِفَيْن، ويشهد عن قرب أن أغلب الدعاة والوعّاظ الذين يُنادون بالالتزام بثوابت الإسلام هم من أول المُخالفين لها والخارجين عن تعاليمها. ينادون بالأخلاق والتسامح والمحبة، ويمارسون فكراً تكفيرياً بعيد كل البعد عن هذه المبادئ السامية التي نادى بها الإسلام وكل شرائع الله السماوية.
مشكلة الأخلاق في العالم الإسلامي أنها بَقيَت أسيرة لفتوى وقياس فقهاء المسلمين بغض النظر عن سيرتهم أو أدائهم. أصبح الظن بِعصمة بعض المشايخ والفقهاء مكبّلاً للعقل وبشكل نراه كل يوم في ممارسات بعض المسلمين في أغلب دولنا العربية والإسلامية. غاب العقل وانتصرت أغلال الولاء الأعمى الذي لم يُحقّق أخلاقاً ولا إصلاحاً على أرض الواقع، بدليل ما يشهده عالمانا العربي والإسلامي من تدنٍ وتراجع مخيف في المبادئ والأخلاق وقيم العمل والتسامح والانضباط.
درس العلماء وبحثوا في مصادر الأخلاق، اختلفوا حول نقاط وأجمعوا حول أخرى، لكن في النهاية قد يُجمِع هؤلاء على أن منظومة الأخلاق تتطوّر لدى كل المجتمعات المتقدّمة عِبر عقد اجتماعي يأتي على قمة هرمه القوانين والنظم، وبخاصة الديمقراطية والحرية التي تولّد بدورها شعوراً بالمسؤولية ومن ثم ارتباطاً واعياً بالقوانين والنظم التي تضمن لشرائح المجتمع كافة سلاماً وأمناً وتسامحاً واستقراراً.
لقد ثبت أن الخوف من العقاب الإلهي لم يُشكّل رادعاً لدى أغلبية البشر، والدليل أن المجتمعات الإسلامية التي تأتي فيها القوانين المدنية هامشية وغير مُفعّلة في مقابل الوعظ والتلقين، تَنتَشر فيها أشكال الفساد والرشوة والعنف كافة وتجاوز الحدود وعدم الأمانة في العمل، بينما لو انتقل هؤلاء المتجاوزون أنفسهم إلى مجتمعات تعمل بقوانين مدنية صارمة لأصبحوا مُلتَزمين بها، فالعقوبة هنا مباشرة وفورية وليست مؤجّلة. لذلك يقف العرب في الطوابير في أوروبا، ويحترمون قوانين المرور، ولا يلقون بالقمامة إلا في مكانها المخصص، ويزاولون أعمالهم بصدق وأمانة.
يرى الكثير من الفلاسفة أن المنطق والعقلانية تأتيان على رأس العوامل الرئيسية التي شكّلت عنصر الأخلاق لدى البشر، ونحن قطعاً نفتقد للكثير من المنطق وللأكثر من العقلانية.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى