الأدب والثقافة والفنقضايا الوطن

مسرح التوبة

مسرح التوبة

ﵟقَالَ يَٰقَوۡمِ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنۡهُ رِزۡقاً حَسَنٗاۚ وَمَآ أُرِيدُ أَنۡ أُخَالِفَكُمۡ إِلَىٰ مَآ أَنۡهَىٰكُمۡ عَنۡهُۚ إِنۡ أُرِيدُ إِلَّا ٱلۡإِصۡلَٰحَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُۚ وَمَا تَوۡفِيقِيٓ إِلَّا بِٱللَّهِۚ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُ وَإِلَيۡهِ أُنِيبُ ٨٨ﵞ ﵝهُود : ﵘﵘﵜ استلهمت من هذه الآية الكريمة بعضاً من العزم بعد تردد طويل للتعليق على زيارة الممثلة السابقة سهير البابلي لل كويت، وبالتحديد على دعوة اتحاد الطلبة للسيدة سهير لإلقاء محاضراتها التوعوية في كلية العلوم الإدارية وكلية العلوم.
أما سبب التردد فيعود بالدرجة الأولى إلى حساسية الحديث حول قضايا (توبة) الفنانين، أو حول الحجاب بشكل عام، حيث لا تقبل قضية كهذه الحوار أو النقاش إطلاقاً وذلك بمنطق الكثير في عالمنا العربي والإسلامي.
بداية يجب التذكير بأن السيدة سهير البابلي من رائدات المسرح العربي الذين أثروا مسيرته الفنية بروائع كانت ولا تزال في قمة الإنجاز والانتشار! فقد دشنت السيدة سهير البابلي مع كوكبة من ألمع نجوم المسرح العربي مرحلة كانت لها بصماتها الواضحة في إثراء مسيرة العمل المسرحي ثقافياً وفنياً، حيث تناول الأداء المسرحي قضايا هامة وطرح فكراً وثقافة حرة ونزيهة من خلال تجسيد القضايا الاجتماعية والسياسية العربية بشكل عام! إذاً لم يكن ماضي السيدة سهير ماضياً جاهلاً أو منحرفاً، إلا إذا اعتبرنا أن المسرح والأداء المسرحي سلوك جاهل ومنحرف، وهو بلا شك أمر غير صحيح إطلاقاً! فالمسرح يعتبر من أكثر الفنون عمقاً وبُعداً.
وقد خلد المسرح ثقافات وحضارات سابقة، أبرزها على الإطلاق الحضارة اليونانية، ولا يزال للمسرح دوره الريادي في كل الدول المتحضرة والمتقدمة، ففي كندا تطور المسرح الإنكليزي منذ عام 1700، أما في بريطانيا فقد دعمت الحكومة البريطانية المسرح منذ عام 1940، وفي فرنسا كانت بدايته مع المسرح الكوميدي الفرنسي في عام 1806، أما في مصر فقد جسد مسرح الريحاني نبض الشارع المصري، وساهم مسرح يوسف وهبي في إثراء الوعي الثقافي للمواطن المصري والعربي!
وقد ساهم المسرح الحديث برواده المبدعين مثل سهير البابلي وغيرها في استمرار تلك المسيرة المسرحية. لذا، فإن السيدة سهير لن تستطيع أن تلغي تلك المرحلة المثمرة من حياتها، التي أهلتها لأن تكون محط إعجاب وتقدير على مستوى العالم العربي بشكل عام! خاصة أن السيدة سهير كانت من أكثر المخلصين لفنها الذي لم يحوِ أبداً طرحاً هزيلاً أو هابطاً أو منحرفاً عن أهداف المسرح السامية!
من حق السيدة سهير البابلي أن تعتزل المسرح وتتحجب! لكننا لا نريد أن تكون دعوة “جمعية الإصلاح” وندوة “اتحاد الطلبة” لها مبنية على مسألة ارتدائها للحجاب فقط، لأن تقييماً كهذا يتناقض مع ما يدعو إليه الإسلام من شمولية في التقييم! أي أن ما يخلق المسلم الكامل هو مجموعة من الصفات وردت في القرآن العظيم، وحملت معها حكمة إلهية لا نفقهها نحن البشر، Fﵟنَرۡفَعُ دَرَجَٰتٖ مَّن نَّشَآءُۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٞ ٨٣ﵞ ﵝالأَنۡعَام : ﵓﵘﵜ ، ثم إن أمر اللباس لم يخص المرأة فقط، وإنما شمل الرجل، Fﵟقُل لِّلۡمُؤۡمِنِيـنَ يَغُضُّواْ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِمۡ وَيَحۡفَظُواْ فُرُوجَهُمۡۚ ذَٰلِكَ أَزۡكَـىٰ لَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيـرُۢ بِمَا يَصۡنَعُونَ ٣٠ﵞ ﵝالنُّور : ﵐﵓﵜ F.
لكن وبكل أسف لم يحرص “المصلحون” على التذكير بهذه الآية الكريمة وحث الرجال لاتباع ذلك الأمر الرباني، بالدرجة نفسها التي نالتها آية اللباس النسائي!
ولقد أدى ذلك إلى بروز شريحة من المحجبات اللاتي اختلطت لديهن الأولويات الإسلامية، فاكتفين بوضع الحجاب على الرأس، وتجاهل أوامر الإسلام الأخلاقية مثل: الأمانة والصدق والإخلاص في العمل وغير ذلك من أوامر راقية في مضمونها وسامية في مغزاها!
نحن جميعاً نحترم تاريخ السيدة سهير البابلي وجهودها في إثراء الحركة المسرحية! وأيضاً نحترم حقها في ارتداء الحجاب! فكلا الأمرين يشكل جانباً هاماً من شخصيتها ودورها في المجتمع كفنانة وكإنسانة! دون إصرار على أن تكون “التوبة” عنوانها!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى